لطالما ارتبط النيكوتين في أذهان كثيرين بالسرطان والأمراض الخطيرة الناتجة عن التدخين. فبما أن السجائر تحتوي على النيكوتين، وبما أن التدخين أحد أبرز مسببات السرطان، أصبح من السهل اعتبار النيكوتين المسؤول المباشر عن هذه الأمراض. لكن البروفيسور الفرنسي ديفيد خياط، المتخصص في علاج السرطان والرئيس السابق للمعهد الوطني للسرطان في فرنسا، أكد أن هذا الربط غير دقيق.
وخلال مشاركته في مؤتمر «Technovation Smoke-Free» في العاصمة المغربية الرباط يوم 24 يونيو 2026، قدم خياط رسالته بصورة مباشرة: «النيكوتين لا يسبب السرطان». و ركز في مداخلته على ضرورة الفصل بين النيكوتين، بوصفه المادة المسؤولة أساسًا عن الإدمان وبين الدخان الناتج عن احتراق التبغ، الذي يحمل الجزء الأكبر من المخاطر المرتبطة بالتدخين.
النيكوتين مسئول عن الإدمان لا عن السرطان

صرح ديفيد خياط، بأن الدور الأساسي للنيكوتين يتمثل في جعل المدخن معتمدًا على السجائر والاستمرار في استخدامها. فعندما يصل النيكوتين إلى الدماغ، يؤثر في مجموعة من المستقبلات العصبية ويحفز إطلاق مواد ترتبط بالشعور بالمتعة والانتباه وتحسن المزاج. ومع تكرار الاستهلاك، يعتاد الجسم وجوده، ويصبح التوقف عنه مصحوبًا بالرغبة الشديدة وأعراض الانسحاب.
لكن هذا الدور لا يعني أن النيكوتين هو المادة التي تؤدي إلى السرطان. فالمادة التي تجعل السيجارة مسببة للاعتماد ليست بالضرورة هي نفسها المادة التي تجعلها مسرطنة. وهذا هو التفريق الذي أراد خياط إبرازه، بعد أن ظل النيكوتين لسنوات طويلة المتهم الأول في نظر عامة الناس، بل وحتى لدى بعض العاملين في القطاع الصحي.
وتؤكد جهات صحية معروفة الفكرة نفسها؛ فالنيكوتين يجعل السجائر مسببة للاعتماد، لكنه لا يُعد بحد ذاته سببًا للسرطان. ولهذا تُستخدم بدائل النيكوتين، مثل اللصقات والعلكة، منذ سنوات لمساعدة المدخنين على الإقلاع، لأنها توفر النيكوتين من دون تعريض المستخدم لدخان التبغ.
كيف أصبح النيكوتين متهمًا بالسرطان؟

يعود جزء كبير من هذا الاعتقاد إلى الطريقة التي يفهم بها الناس العلاقة بين النيكوتين والسجائر. فالنيكوتين هو أشهر مادة مرتبطة بالتبغ، وغالبًا ما يرد اسمه عند الحديث عن الإدمان والتدخين. ونتيجة لذلك، اختُزلت أضرار السيجارة كلها في مادة واحدة، رغم أن دخانها يحتوي على آلاف المركبات المختلفة.
بعبارة أبسط، يدخن الشخص السيجارة للحصول على النيكوتين، لكنه في أثناء ذلك يستنشق مجموعة كبيرة من الغازات والجسيمات والمواد السامة الناتجة عن حرق التبغ. وهذه المواد هي التي ترتبط بمعظم الأمراض الخطيرة الناتجة عن التدخين، بما في ذلك عدد من أنواع السرطان وأمراض الرئة والقلب والأوعية الدموية.
لذلك لا يعني تصحيح صورة النيكوتين التقليل من خطورة التدخين. بل على العكس، يساعد هذا التفريق على تحديد مصدر الضرر بصورة أدق، بدل وضع جميع مكونات السيجارة في المستوى نفسه.
المشكلة تبدأ عند احتراق التبغ
ركز خياط في مداخلته على أن الخطر الأكبر يبدأ عندما تُشعل السيجارة. فعند احتراق التبغ في درجات حرارة مرتفعة، يتشكل دخان يحتوي على آلاف المواد الكيميائية، من بينها مواد سامة وأخرى معروفة بقدرتها على التسبب بالسرطان. وتشمل هذه الانبعاثات القطران وأول أكسيد الكربون وعددًا كبيرًا من المركبات التي تصل إلى الرئتين ثم تنتقل آثارها إلى بقية أعضاء الجسم.
ومن هنا يأتي الفرق الأساسي بين النيكوتين والاحتراق: النيكوتين يحافظ على الإدمان، أما الاحتراق فينتج المزيج السام الذي يتعرض له المدخن مع كل سيجارة. وهذا لا يجعل النيكوتين مادة محايدة تمامًا، لكنه يوضح لماذا لا يمكن مساواة مخاطره بمخاطر استنشاق دخان التبغ.
وسبق أن تناولنا بالتفصيل سؤال: من المسؤول عن الأمراض المرتبطة بالتدخين: النيكوتين أم الاحتراق؟ وشرحنا كيف يؤدي إشعال السيجارة إلى إنتاج المواد التي تقف وراء الجزء الأكبر من الأمراض والوفيات المرتبطة باستخدام التبغ.
لا يعني هذا أنه بلا مخاطر

قد تُفهم عبارة «النيكوتين لا يسبب السرطان» خطأً على أنها تعني أن النيكوتين آمن تمامًا أو مناسب للجميع، لكن هذا ليس ما يقوله خياط. فالنيكوتين مادة تسبب الإدمان، ويمكن أن يؤدي استهلاكه إلى ارتفاع مؤقت في معدل ضربات القلب وضغط الدم. كما لا ينبغي لغير المدخنين أو القاصرين البدء باستهلاكه.
إذن، الهدف من التصريح ليس تبرئة النيكوتين من جميع التأثيرات، بل وضع مخاطره في إطارها الصحيح. هناك فرق بين مادة تسبب الإدمان وبين المواد التي تحدث تلفًا في الخلايا وترفع مخاطر الإصابة بالسرطان.
وغياب هذا التفريق قد يدفع بعض المدخنين إلى الاعتقاد بأن جميع طرق استهلاك النيكوتين تحمل الخطر نفسه، بينما تختلف درجة التعرض للمواد السامة بصورة كبيرة بحسب وجود الاحتراق من عدمه.
تصريح يعيد النقاش إلى مصدر الضرر الحقيقي
يحمل تصريح ديفيد خياط أهمية خاصة في النقاش حول الحد من مخاطر التدخين. فإذا كان الاحتراق هو المصدر الرئيسي للمواد المسرطنة، فإن إزالته من طريقة استهلاك النيكوتين يمكن أن تقلل تعرض المدخن لهذه المواد مقارنة بالاستمرار في تدخين السجائر التقليدية.
وهذا لا يعني أن أي منتج يحتوي على النيكوتين يصبح خاليًا من المخاطر، ولا يلغي أن الخيار الأفضل صحيًا هو الإقلاع الكامل عن التدخين والنيكوتين. لكنه يفتح الباب أمام نقاش أكثر واقعية بشأن المدخنين البالغين الذين لم يتمكنوا من الإقلاع، والفرق بين الاستمرار في حرق التبغ والانتقال الكامل إلى بدائل لا تعتمد على الاحتراق.
وقد تناولنا في مقال سابق ما تقوله أحدث الأبحاث عن السجائر الإلكترونية والسرطان والنيكوتين، وكيف تفرق الدراسات بين مخاطر التدخين التقليدي ومخاطر المنتجات التي لا تحرق التبغ، مع التأكيد على أن هذه البدائل ليست موجهة لغير المدخنين.
🧠 الخلاصة
ولا يعني هذا أن النيكوتين خالٍ من المخاطر، بل يعني أن فهم أضرار التدخين يتطلب الفصل بين الإدمان الذي يسببه النيكوتين، والأمراض التي يسببها استنشاق الدخان. هذا التفريق لا يغير حقيقة أن الإقلاع الكامل يبقى الخيار الأفضل، لكنه يصحح مفهومًا شائعًا ويعيد النقاش إلى مصدر الضرر الحقيقي: الاحتراق.





