على الرغم من مرور سنوات من الأبحاث حول السجائر الإلكترونية، يبدو أن نظرة كثير من الناس إليها تتحرك في اتجاه معاكس لما تشير إليه الأدلة العلمية. فبدلاً من زيادة الوعي بأنها ليست خالية من المخاطر، لكنها أقل ضرراً من تدخين السجائر التقليدية، أصبح عدد متزايد من الأشخاص يعتقدون أنها تضاهي التدخين ضرراً أو تتفوق عليه.

هذا التحول لا يتعلق بمجرد اختلاف في الآراء. فعندما يبالغ المدخن في تقدير مخاطر السجائر الإلكترونية، قد يرفض الانتقال إليها أو استخدامها خلال محاولة الإقلاع، ويستمر بدلاً من ذلك في تدخين السجائر التي ينتج احتراقها آلاف المواد الكيميائية.

دراسة أمريكية حديثة تتبعت تغير نظرة الناس إلى السجائر الإلكترونية على مدار عشر سنوات، وكشفت أن نسبة من يعتقدون أنها أكثر ضرراً من التدخين ارتفعت بصورة كبيرة. لكن هل يعني ذلك أن الناس أصبحوا أكثر فهماً للمخاطر، أم أن الرسائل الصحية والتغطيات الإعلامية ساهمت في تكوين صورة غير دقيقة؟

ماذا كشفت الدراسة عن نظرة الناس إلى السجائر الإلكترونية؟

اعتمد الباحثون على بيانات المسح الوطني الأمريكي للاتجاهات المتعلقة بالمعلومات الصحية، المعروف باسم HINTS. وهو مسح يجريه المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة لمتابعة معارف الأمريكيين ومواقفهم وسلوكياتهم المرتبطة بالصحة.

حلل الباحثون إجابات جُمعت بين عامي 2012 و2022، بهدف معرفة كيف تغيرت مقارنة الناس بين أضرار السجائر الإلكترونية وأضرار التدخين التقليدي.

كانت النتائج لافتة. ففي عام 2012، اعتقد 2.8% فقط من المشاركين أن السجائر الإلكترونية أكثر ضرراً من التدخين. لكن هذه النسبة ارتفعت بحلول عام 2022 إلى 30.4%، أي إنها تضاعفت أكثر من عشر مرات خلال عقد واحد.

الشكل 1: درجة ادراك الضرر للسجائر الإلكترونية مقارنة بالسجائر القابلة للاحتراق بين البالغين في الولايات المتحدة، 2012–2022.
الشكل 1: درجة ادراك الضرر للسجائر الإلكترونية مقارنة بالسجائر القابلة للاحتراق بين البالغين في الولايات المتحدة، 2012–2022.

وفي الاتجاه المقابل، انخفضت نسبة من كانوا يرون أن السجائر الإلكترونية أقل ضرراً من السجائر التقليدية من 50.7% عام 2012 إلى 16.7% عام 2022. وهذا يعني أن عدداً متزايداً من الناس لم يعودوا يميزون بوضوح بين مخاطر منتج يعمل من دون احتراق ومخاطر السجائر التي تحرق التبغ.

حاول الباحثون ربط هذا التحول بعدد من الأحداث التي وقعت خلال الفترة نفسها. من بينها توسيع حملة The Real Cost الأمريكية لتشمل السجائر الإلكترونية، إلى جانب أزمة إصابات الرئة التي ظهرت في الولايات المتحدة عام 2019 وعُرفت باسم EVALI.

في بداية الأزمة، ارتبطت الإصابات في الأخبار باستخدام السجائر الإلكترونية بصورة عامة. لكن التحقيقات الصحية أظهرت لاحقاً أن معظم الحالات ارتبطت باستخدام منتجات غير نظامية تحتوي على مادة THC، خصوصاً المنتجات التي استُخدمت فيها أسيتات فيتامين E كمادة لتكثيف السائل.

ورغم ذلك، كانت صورة السجائر الإلكترونية قد تضررت بالفعل. كما تزامنت هذه الأزمة مع جدل واسع حول استخدام القاصرين للفيب، وقضية شركة Juul، والتغطيات الإعلامية المتكررة عن المنع والقيود والمخاطر المحتملة.

لماذا لا تثبت الدراسة السبب؟

تقدم الدراسة وصفاً واضحاً لكيفية تغير آراء الناس خلال عشر سنوات، لكنها لا تستطيع تحديد السبب المباشر لهذا التغير.

«تزامن الحملات والأزمات مع تدهور صورة الفيب لا يعني أنها كانت السبب المباشر؛ فالدراسة ترصد الاتجاه، لكنها لا تثبت السببية.»
لاحظ الباحثون أن بعض التحولات ظهرت خلال فترات تزامنت مع حملات مناهضة للفيب وأحداث صحية بارزة مثل أزمة EVALI. لكن تزامن حدثين لا يعني بالضرورة أن أحدهما تسبب في الآخر.

على سبيل المثال، لا يمكن من خلال بيانات المسح معرفة ما إذا كان الشخص قد شاهد حملة صحية معينة، أو تأثر بتقرير إخباري، أو غيّر رأيه بعد تجربة شخصية. كما لا يمكن عزل تأثير كل عامل عن عشرات العوامل الأخرى التي ظهرت خلال الفترة نفسها.

هذا هو القيد الأساسي في الدراسات الرصدية. فهي تستطيع الكشف عن الاتجاهات والعلاقات الزمنية، لكنها لا تستطيع إثبات السببية وحدها. لذلك سيكون من المبالغة القول إن حملة واحدة أو أزمة واحدة هي المسؤولة عن تدهور نظرة الناس إلى السجائر الإلكترونية.

الأرجح أن هذا التحول نتج عن تراكم عوامل متعددة: التغطيات الإعلامية المثيرة للقلق، والخلط بين منتجات النيكوتين النظامية ومنتجات THC غير القانونية، والرسائل الصحية التي ركزت على حماية الشباب من دون أن توضح دائماً الفرق في مستوى الخطر بالنسبة إلى المدخنين البالغين.

لماذا يهم ذلك المدخنين؟

منظمة الصحة العالمية تنشر ولأول مرة توصيات بشأن الإقلاع عن التدخينقد يبدو تغير نظرة الناس مسألة إعلامية أو اجتماعية فقط، لكنه يمكن أن يؤثر مباشرة في القرارات التي يتخذها المدخنون.

المدخن الذي يعتقد أن السجائر الإلكترونية خطرة بالدرجة نفسها قد لا يرى سبباً للانتقال إليها. وقد يقرر الاستمرار في التدخين، رغم أن الخطر الأكبر في السجائر التقليدية يأتي من احتراق التبغ واستنشاق الدخان الناتج عنه.

كما يمكن أن تؤثر المعلومات غير الدقيقة في المدخنين الذين انتقلوا بالفعل إلى الفيب. فإذا اقتنع الشخص بأن ما يستخدمه أخطر من التدخين، فقد يعود إلى السجائر التقليدية بدلاً من الاستمرار بعيداً عنها.

هذا لا يعني تقديم السجائر الإلكترونية على أنها منتجات آمنة. فهي تحتوي عادة على النيكوتين، وقد تسبب الاعتماد عليه، كما أن استنشاق رذاذها ليس خالياً من المخاطر. ولا يوجد سبب يدفع غير المدخنين أو القاصرين إلى البدء باستخدامها.

لكن الاعتراف بهذه المخاطر لا يتطلب مساواتها بالسجائر التقليدية. توجد مساحة واضحة بين الادعاء بأن الفيب آمن تماماً، وهو ادعاء غير صحيح، والقول إنه أخطر من التدخين، وهو أيضاً لا يعكس الأدلة المتاحة.

بالنسبة إلى المدخن البالغ الذي لا يستطيع الإقلاع بوسائل أخرى، فإن الحصول على معلومات دقيقة حول الفروق في المخاطر أمر ضروري لاتخاذ قرار واعٍ. أما الرسائل التي تضع جميع منتجات النيكوتين في مستوى واحد، فقد تنجح في إثارة الخوف، لكنها لا تساعد بالضرورة في تقليل الأضرار الصحية الناتجة عن التدخين.

🧠 الخلاصة

تكشف الدراسة عن تحول كبير في نظرة الأمريكيين إلى السجائر الإلكترونية خلال عشر سنوات، لكنها لا تحدد سبباً واحداً مسؤولاً عنه. ويبدو أن الحملات الصحية وأزمة EVALI والتغطيات الإعلامية والجدل حول استخدام القاصرين ساهمت مجتمعة في تكوين صورة أكثر سلبية.

السجائر الإلكترونية ليست خالية من المخاطر، ولا ينبغي أن يستخدمها غير المدخنين. لكن المبالغة في أضرارها ومساواتها بالتدخين قد تدفع بعض المدخنين إلى رفض بديل أقل ضرراً أو العودة إلى السجائر التقليدية.

المطلوب ليس الترويج للفيب، بل تقديم معلومات واضحة ومتوازنة تتيح للمدخنين فهم الفرق بين تجنب جميع منتجات النيكوتين، وهو الخيار الأفضل، والاستمرار في استنشاق دخان التبغ المحترق.

اشترك في النشرة الإخبارية

انضم إلى اكثر من 8000 مشترك في نشرة اخبار Vaping Post. لتبقى على اطلاع بجميع أخبار السجائر الالكترونية

المقال السابقبريطانيا تدرس تشديد القيود على تسويق السجائر الإلكترونية
Ahmad AL-FARAJI
المسؤول عن إطلاق النسخة العربية من موقع Vaping Post. بدأت الفكرة من إعجابي بجودة المحتوى الذي كان ينشره الموقع بنسختيه الإنجليزية والفرنسية. ومع بداية عام 2020 أدركت حاجة مجتمع الفيب العربي إلى مرجع موثوق بلغته الأم. بصفتي مدخنًا سابقًا تمكنت من الإقلاع عن السجائر بفضل الفيب، شعرت بمسؤولية شخصية لنقل مفاهيم الحد من الضرر إلى جمهورنا العربي، وتحويل التجربة الفردية إلى مشروع إعلامي يخدم الملايين.
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات