عندما يدور الحديث حول السجائر الإلكترونية – الفيب، غالباً ما يتم التركيز على النيكوتين باعتباره العنصر الأكثر إثارة للجدل. فالبعض يراه السبب الرئيسي وراء استمرار الاعتماد على منتجات التبغ، بينما يعتبره آخرون أداة قد تساعد المدخنين على الابتعاد عن السجائر التقليدية. لكن دراسة أمريكية حديثة نشرت في مجلة JAMA Network Open تدعو إلى النظر في عامل آخر قد يكون أكثر أهمية عند تقييم المخاطر الصحية المرتبطة بالتدخين: الاحتراق.

فبدلاً من التركيز فقط على معدلات الإقلاع عن التدخين، سعى الباحثون إلى معرفة ما يحدث داخل أجسام المدخنين عندما يستبدلون السجائر التقليدية بأجهزة البود الإلكترونية. ولتحقيق ذلك، قاموا بقياس مجموعة من المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتعرض للمواد السامة الناتجة عن دخان السجائر، مع مقارنة النتائج بين مستخدمي أجهزة تحتوي على النيكوتين وآخرين استخدموا أجهزة مماثلة خالية منه تماماً.

كيف صُممت الدراسة وما الذي حاول الباحثون قياسه؟

تمكن 36.5% من المشاركين الذين استخدموا جهاز بود يحتوي على النيكوتين من الإقلاع عن التدخين، مقابل 11.5% من المشاركين الذين استخدموا جهازاً مماثلاً خالياً من النيكوتين.
اعتمدت الدراسة على تجربة سريرية عشوائية شملت أكثر من مئة مدخن بالغ كانوا يدخنون السجائر يومياً. وتم توزيع المشاركين على مجموعتين بشكل عشوائي. استخدمت المجموعة الأولى جهاز بود يحتوي على سائل إلكتروني بتركيز 5% من املاح النيكوتين، بينما حصلت المجموعة الثانية على جهاز مطابق من حيث التصميم والنكهات وطريقة الاستخدام، لكنه خالٍ تماماً من النيكوتين.

وكان الهدف من هذا التصميم معرفة ما إذا كان وجود النيكوتين يحدث فرقاً حقيقياً في قدرة المدخنين على الإقلاع عن التدخين، وفي الوقت نفسه تقييم تأثير استبدال السجائر التقليدية بمنتج لا يعتمد على احتراق التبغ.

ملاحظة:
من المهم الإشارة إلى أن هذه الدراسة ركزت على أجهزة البود الحديثة المعتمدة على أملاح النيكوتين (Nicotine Salts)، وهي الفئة التي أصبحت تحظى بشعبية واسعة خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، تبقى للنتائج بعض الحدود التي يجب أخذها في الاعتبار، إذ شملت الدراسة 104 مشاركين فقط، وهي نسبة منخفضة.

ولم يكتف الباحثون بسؤال المشاركين عما إذا كانوا قد أقلعوا عن التدخين أم لا، بل استخدموا وسائل تحقق بيولوجية للتأكد من صحة النتائج. كما قاموا بقياس عدد من المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتعرض لمواد كيميائية معروفة بوجودها في دخان السجائر. ويعد هذا النوع من القياسات أكثر دقة من الاعتماد على التصريحات الذاتية، لأنه يسمح بتقييم التغيرات الفعلية التي تحدث داخل الجسم بعد التحول من التدخين إلى استخدام أجهزة البود.

وتكمن أهمية هذا النهج في أنه لا يكتفي بقياس السلوك، بل يحاول أيضاً فهم التأثير البيولوجي الناتج عن استبدال السجائر التقليدية ببديل لا يعتمد على الاحتراق، وهو ما يمنح نتائج الدراسة وزناً علمياً أكبر مقارنة بالعديد من الدراسات الرصدية السابقة.

عندما يتوقف الاحتراق تنخفض السموم

عندما يتوقف الاحتراق تنخفض السموم

ربما تكون النتيجة الأهم في هذه الدراسة هي ما حدث لمستويات بعض المواد السامة داخل أجسام المشاركين بعد استبدال السجائر التقليدية بأجهزة الفيب او السجائر الإلكترونية.

فقد ركز الباحثون على عدد من المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتعرض لمركبات كيميائية تنتج بصورة رئيسية عن عملية احتراق التبغ. ومن بين هذه المؤشرات مركبات مرتبطة بمواد مثل الأكريلونيتريل والأكرولين، وهي مواد معروفة بتأثيراتها الضارة على الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، كما يرتبط بعضها بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض الخطيرة.

وأظهرت النتائج انخفاضاً ملحوظاً في مستويات بعض هذه المؤشرات لدى المشاركين الذين تحولوا إلى استخدام أجهزة البود الإلكترونية. وتنسجم هذه الملاحظة مع ما توصلت إليه أبحاث عديدة خلال السنوات الماضية، والتي تشير إلى أن الجزء الأكبر من المواد السامة الموجودة في دخان السجائر لا ينتج عن النيكوتين نفسه، بل عن عملية احتراق التبغ.

فعندما تشتعل السيجارة التقليدية، تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تكوين آلاف المركبات الكيميائية المختلفة. ويحتوي الدخان الناتج عن هذه العملية على عدد كبير من المواد السامة والمسرطنة التي تم ربطها بأمراض القلب والرئة والسرطان. ولهذا السبب ينظر العديد من الباحثين إلى الاحتراق باعتباره المصدر الرئيسي للمخاطر الصحية المرتبطة بالتدخين.

النشرة البريدية

تابع آخر أخبار السجائر الإلكترونية

اشترك في النشرة البريدية لـ Vaping Post لتبقى على اطلاع بآخر الأخبار والدراسات والمستجدات المتعلقة بالسجائر الإلكترونية وتقليل أضرار التدخين.

أما في أجهزة السجائر الإلكترونية – الفيب، فلا يحدث احتراق للتبغ. وبدلاً من ذلك يتم تسخين السائل الإلكتروني لإنتاج رذاذ يتم استنشاقه. ورغم أن هذا الرذاذ ليس خالياً من المواد الكيميائية، فإن غياب الاحتراق يغير بشكل جذري طبيعة المواد الناتجة ومستويات التعرض لها.

ولا تعني هذه النتائج أن السجائر الإلكترونية – الفيب خالية من المخاطر أو أنها آمنة بشكل كامل، لكنها تدعم الفرضية التي يقوم عليها مفهوم الحد من أضرار التبغ، والتي تفترض أن التخلص من الاحتراق يمكن أن يؤدي إلى خفض التعرض لعدد كبير من المواد السامة المرتبطة بالتدخين التقليدي.

وبالنسبة للمدخنين الذين يواجهون صعوبة في الإقلاع عن التدخين باستخدام الوسائل التقليدية، فإن هذه النتائج تقدم دليلاً إضافياً على أن الانتقال إلى منتجات لا تعتمد على احتراق التبغ يؤدي إلى تقليل التعرض للمركبات الضارة الموجودة في دخان السجائر.

حتى بدون نيكوتين.. بعض المدخنين تمكنوا من الإقلاع

النيكوتين أم الاحتراق

في حين حققت المجموعة التي استخدمت جهاز البود المحتوي على النيكوتين أفضل النتائج من حيث الإقلاع عن التدخين، فإن إحدى الملاحظات اللافتة في الدراسة جاءت من المجموعة الأخرى.

فقد أظهرت النتائج أن 36.5% من المشاركين الذين استخدموا جهاز البود المحتوي على 5% من النيكوتين تمكنوا من الإقلاع عن التدخين خلال فترة الدراسة، مقابل 11.5% من المشاركين الذين استخدموا جهازاً مماثلاً خالياً تماماً من النيكوتين.

وتشير هذه الأرقام بوضوح إلى أن وجود النيكوتين لعب دوراً مهماً في رفع معدلات الإقلاع عن التدخين، وهو ما يتوافق مع الفكرة القائلة بأن النيكوتين يمكن أن يساعد بعض المدخنين على الابتعاد عن السجائر التقليدية عندما يتم توفيره من خلال بدائل أقل ضرراً.

لكن اللافت في النتائج لا يقتصر على الفارق بين المجموعتين، بل يتمثل أيضاً في حقيقة أن أكثر من واحد من كل عشرة مشاركين تمكن من الإقلاع عن التدخين رغم استخدام جهاز لا يحتوي على أي كمية من النيكوتين.

وتفتح هذه النتيجة الباب أمام تساؤلات مهمة حول طبيعة الاعتماد على السجائر. فالتدخين لا يرتبط فقط بالحاجة إلى النيكوتين، بل يشمل أيضاً مجموعة من العادات والسلوكيات اليومية التي تتكرر عشرات المرات خلال اليوم. وتشمل هذه السلوكيات حركة اليد إلى الفم، والاستنشاق والزفير، والإحساس المصاحب للتدخين، إضافة إلى الروتين النفسي والاجتماعي الذي يتطور لدى المدخن على مدار سنوات.

وقد تساعد أجهزة الفيب في تعويض جزء من هذه الجوانب السلوكية، حتى عندما لا تحتوي على النيكوتين. وهذا لا يعني أن النيكوتين غير مهم، فالدراسة أظهرت بوضوح أن وجوده ساهم في تحقيق معدلات نجاح أعلى بكثير. لكنه يشير إلى أن عملية الإقلاع عن التدخين قد تكون أكثر تعقيداً من مجرد التعامل مع الاعتماد الكيميائي على النيكوتين وحده.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى نتائج الدراسة باعتبارها تذكيراً بأن النجاح في الإقلاع عن التدخين لا يعتمد فقط على المادة التي يحصل عليها المدخن، بل أيضاً على قدرته على استبدال السلوكيات والعادات المرتبطة بالتدخين ببدائل أخرى أقل ضرراً.

🧠 الخلاصة

لا تثبت هذه الدراسة أن السجائر الإلكترونية – الفيب آمنة أو خالية من المخاطر، كما أنها لا تشجع غير المدخنين على استخدامها. لكنها تقدم معطيات جديدة ومهمة في النقاش الدائر حول الحد من أضرار التبغ.

فمن جهة، أظهرت النتائج انخفاضاً في المؤشرات المرتبطة بالتعرض للمواد السامة الناتجة عن احتراق التبغ لدى المشاركين الذين استبدلوا السجائر التقليدية بأجهزة البود الإلكترونية. ومن جهة أخرى، أظهرت الدراسة أن 36.5% من مستخدمي أجهزة البود المحتوية على النيكوتين تمكنوا من الإقلاع عن التدخين، في حين نجح 11.5% من مستخدمي الأجهزة الخالية من النيكوتين في تحقيق الهدف نفسه.

ورغم أن وجود النيكوتين ساهم بوضوح في رفع معدلات الإقلاع، فإن نجاح بعض المشاركين في التوقف عن التدخين حتى في غيابه يسلط الضوء على أهمية الجوانب السلوكية المرتبطة بهذه العادة. وفي النهاية، يبدو أن الرسالة الأبرز التي تحملها هذه الدراسة ليست مرتبطة بالنيكوتين وحده، بل بحقيقة أن التخلص من الاحتراق قد يكون أحد أهم العوامل القادرة على خفض التعرض للمواد السامة المرتبطة بالتدخين التقليدي.

المصدر :
Yingst JM, Krebs NM, Dahal S, et al. Toxicant Exposures After Switching From Cigarettes to a Pod-Based Electronic Cigarette: A Randomized Clinical Trial. JAMA Netw Open. 2026;9(5):e2613292. doi:10.1001/jamanetworkopen.2026.13292

اشترك في النشرة الإخبارية

انضم إلى اكثر من 8000 مشترك في نشرة اخبار Vaping Post. لتبقى على اطلاع بجميع أخبار السجائر الالكترونية

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات