في خطوة تشريعية غير مسبوقة، اعتمدت المملكة المتحدة مشروع قانون التبغ والفيب “Tobacco and Vapes Bill”، الذي يهدف إلى إنهاء التدخين تدريجيًا عبر منع الأجيال القادمة من شراء منتجات التبغ بشكل دائم.
الفكرة في ظاهرها بسيطة لكنها جذرية: كل من وُلد بعد عام 2009 لن يتمكن أبدًا من شراء السجائر بشكل قانوني، في محاولة لصناعة “جيل خالٍ من التدخين”.
هذا التوجه يعكس إرادة سياسية قوية لمواجهة أحد أكبر أسباب الوفاة التي يمكن الوقاية منها، لكنه في الوقت ذاته يفتح نقاشًا أكثر تعقيدًا حول طبيعة السياسات الصحية الحديثة، خاصة عندما يتم إدراج منتجات الفيب ضمن نفس المنظومة التنظيمية تقريبًا دون تمييز واضح.
قانون طموح … لكن يتجاهل الفروق الأساسية بين المنتجات
لا يمكن إنكار أن المشروع يمثل تحولًا جذريًا في طريقة التعامل مع التدخين، فهو لا يكتفي بتنظيم السوق، بل يسعى إلى إلغائه تدريجيًا من خلال آلية زمنية تصاعدية تمنع الأجيال الجديدة من الوصول إلى التبغ بشكل دائم. هذا النوع من السياسات يُنظر إليه كحل طويل الأمد، يهدف إلى تقليل معدلات الأمراض المرتبطة بالتدخين وتخفيف الضغط على النظام الصحي.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتم تطبيق نفس المنطق على جميع منتجات النيكوتين، وكأنها تحمل نفس مستوى المخاطر ونفس التأثيرات، وهو افتراض لا تدعمه الأدلة العلمية بشكل واضح.
إدراج الفيب ضمن نفس الإطار التنظيمي ليس مجرد تفصيل تقني، بل يعكس تحولًا في الخطاب السياسي، حيث لم يعد يُنظر إلى هذه المنتجات كبدائل محتملة للمدخنين، بل كجزء من المشكلة نفسها. هذا التوجه قد يبدو منطقيًا من زاوية “الوقاية المطلقة”، لكنه يتجاهل واقعًا أساسيًا: ليس كل مستخدمي النيكوتين متشابهين، وليس كل المنتجات متساوية في المخاطر.
خلط المفاهيم: المشكلة الحقيقية في قلب القانون
النقطة الأكثر إثارة للجدل في هذا القانون لا تتعلق بحظر التبغ بحد ذاته، بل بكيفية التعامل مع السجائر الالكترونية او الفيب. فبدلًا من تبني مقاربة قائمة على تقليل الضرر، يتم وضع جميع المنتجات في نفس السلة، وهو ما يؤدي إلى خلط المفاهيم بشكل واضح. عندما يتم التعامل مع الفيب والتبغ بنفس المنطق التنظيمي، فإن الرسالة الضمنية للمستهلك تصبح بسيطة وخطيرة في آن واحد: لا فرق حقيقي بينهما.
هذا النوع من الرسائل قد يقوّض واحدة من أهم الأدوات التي ساهمت في تقليل التدخين في السنوات الأخيرة، وهي إتاحة بدائل أقل ضررًا للمدخنين. فبدلًا من تشجيع الانتقال من السجائر إلى خيارات أخرى، يتم تضييق الخناق على هذه البدائل، ما قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا. المدخن الذي يفكر في التغيير قد يجد نفسه أمام مشهد ضبابي، حيث كل الخيارات تبدو مقيدة أو مرفوضة، فيقرر ببساطة البقاء على ما هو عليه.
عندما تتحول السياسة الصحية إلى عامل خطر
المفارقة في هذا النوع من التشريعات هي أنها قد تنتج آثارًا عكسية رغم النوايا الإيجابية. فالتاريخ يُظهر أن السياسات الصارمة، عندما لا تراعي سلوك المستهلكين وتعقيد السوق، قد تدفع نحو نتائج غير متوقعة.
في حالة الفيب، تشديد القيود قد يقلل من جاذبيته كبديل، وهو ما قد يؤدي إلى تباطؤ أو حتى تراجع في انتقال المدخنين بعيدًا عن السجائر التقليدية. وفي الوقت نفسه، قد يفتح الباب أمام توسع السوق غير المنظمة، حيث تصبح المنتجات متاحة خارج أي رقابة صحية أو معايير جودة.
الأخطر من ذلك هو التأثير على مصداقية الخطاب الصحي. عندما يشعر المستخدم أن السياسات لا تعكس الواقع أو تتجاهل الفروق العلمية، فإن الثقة تبدأ بالتآكل. وهذا لا يقتصر على الفيب فقط، بل يمتد إلى مجمل الرسائل الصحية، ما يجعل من الصعب إقناع الجمهور بأي توجيهات مستقبلية.
بين الطموح والواقعية: هل يمكن تحقيق الهدف بهذه الطريقة؟
لا شك أن فكرة “جيل خالٍ من التدخين” تحمل جاذبية سياسية وإعلامية كبيرة، لكنها تظل فكرة مثالية تواجه تحديات واقعية معقدة. منع الوصول القانوني لا يعني بالضرورة القضاء على الطلب، والتجارب السابقة في مجالات مختلفة تُظهر أن الحظر قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى إعادة تشكيل السوق بدلًا من إنهائه.
السؤال الحقيقي هنا ليس ما إذا كان الهدف نبيلًا، بل ما إذا كانت الأدوات المستخدمة قادرة فعلاً على تحقيقه دون خلق مشاكل جديدة.
في هذا السياق، يبدو أن تجاهل دور تقليل الضرر يمثل نقطة ضعف أساسية في هذا القانون. فبدلًا من الاستفادة من الأدوات المتاحة لتقليل الأضرار المرتبطة بالتدخين، يتم التعامل معها كجزء من المشكلة، وهو ما قد يحد من فعاليتها ويقلل من فرص النجاح على المدى الطويل.
🧠 خلاصة القول
يضع مشروع قانون التبغ والفيب “Tobacco and Vapes Bill” المملكة المتحدة في موقع الريادة عالميًا في مجال مكافحة التدخين، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن تناقض جوهري في طريقة التعامل مع منتجات النيكوتين. الطموح واضح، لكن الوسيلة تبدو أقل دقة، خاصة مع استمرار خلط المفاهيم بين التبغ و البدائل الأقل ضررًا.
في النهاية، التحدي الحقيقي لا يكمن في سنّ قوانين أكثر صرامة، بل في تبني سياسات أكثر ذكاءً، قادرة على التمييز بين المخاطر المختلفة، وتوجيه المستخدمين نحو خيارات أفضل بدلًا من إغلاق جميع الأبواب أمامهم.





