تثير الدراسات التي تتناول تأثير السجائر الإلكترونية في الجسم اهتماماً كبيراً، خصوصاً عندما تستخدم عبارات مثل «التغيرات الجينية» أو «التأثير في الجينات». فهذه المصطلحات تبدو مقلقة، وقد تدفع القارئ إلى الاعتقاد بأن الدراسة أثبتت حدوث أضرار خطيرة أو أمراض مستقبلية لدى مستخدمي الفيب.
دراسة حديثة حاولت مقارنة التعبير الجيني في خلايا الفم لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية والمدخنين وأشخاص لا يستخدمون أياً منهما. ووجد الباحثون اختلافات في نشاط عدد كبير من الجينات لدى مستخدمي الفيب والمدخنين مقارنة بغير المستخدمين.
لكن هذه النتيجة، رغم أهميتها العلمية، لا تعني أن الدراسة أثبتت أن الفيب يسبب السرطان أو أنه يؤدي إلى تلف دائم في الحمض النووي. كما أنها لا تسمح بالحكم على أن السجائر الإلكترونية أخطر من التدخين التقليدي.
المشكلة ليست بالضرورة في البيانات التي جمعها الباحثون، بل في الطريقة التي يمكن أن تُفسر بها هذه البيانات، وفي القيود المنهجية التي تجعل من الصعب تحويل النتائج إلى استنتاجات صحية مؤكدة.
تغير التعبير الجيني لا يعني حدوث طفرة أو مرض
لفهم الدراسة بصورة صحيحة، يجب أولاً التمييز بين «التعبير الجيني» و«تغير الجينات».
يحتوي الجسم على آلاف الجينات التي تحمل تعليمات مختلفة. لكن هذه الجينات لا تعمل جميعها بالمستوى نفسه طوال الوقت. فقد يرتفع نشاط بعض الجينات أو ينخفض استجابة لعوامل كثيرة، مثل الالتهابات، والنظام الغذائي، والأدوية، والتلوث، والتوتر، وقلة النوم وحتى ممارسة الرياضة.
عندما تتحدث الدراسة عن تغيرات في التعبير الجيني، فهي لا تقول بالضرورة إن تركيب الحمض النووي قد تغير أو إن طفرة جينية قد حدثت. ما رصدته الدراسة هو اختلاف في درجة نشاط بعض الجينات في خلايا الفم وقت أخذ العينات.
قد تكون بعض هذه التغيرات مؤقتة، وقد تكون استجابة طبيعية من الخلايا للتعرض لمادة معينة. وقد يكون بعضها مهماً ويستحق المزيد من البحث. لكن لا يمكن الانتقال مباشرة من وجود اختلاف في نشاط الجينات إلى القول إن الشخص سيتعرض لمرض معين.
الدراسة لم تتابع المشاركين لسنوات، ولم تقارن معدلات الإصابة بالسرطان أو أمراض القلب والرئة بينهم. كما أنها لم تثبت أن التغيرات التي رصدتها أدت فعلاً إلى ضرر صحي.
وهنا تظهر مشكلة شائعة في تناول هذه الدراسات: عدد الجينات التي تغير نشاطها لا يمثل مقياساً مباشراً للضرر. وجود تغيرات في ثلاثة آلاف جين، على سبيل المثال، لا يعني تلقائياً أن التأثير أخطر من وجود تغيرات في ألف جين. المهم هو معرفة طبيعة هذه التغيرات، ومدتها، واتجاهها، وما إذا كانت مرتبطة فعلاً بمرض معين.
عينة صغيرة لا تكفي لإصدار أحكام
اعتمدت الدراسة على 35 مستخدماً للسجائر الإلكترونية، و24 مدخناً، و24 شخصاً لا يستخدمون السجائر أو الفيب.
هذا العدد محدود أساساً، لكنه يصبح أكثر إشكالية عندما يتم تقسيم مستخدمي الفيب إلى مجموعات أصغر بحسب النكهة أو نوع الجهاز المستخدم.
من الصعب إصدار حكم موثوق بشأن تأثير نوع كامل من النكهات اعتماداً على ثلاثة أو خمسة أشخاص. فقد تكون الاختلافات التي ظهرت مرتبطة بخصائص فردية لدى المشاركين أنفسهم، وليس بالنكهة وحدها.
يختلف الناس في أعمارهم، ونظامهم الغذائي، وصحة الفم، والأدوية التي يتناولونها، وتاريخهم السابق مع التدخين، ومستوى تعرضهم للتلوث وعوامل أخرى كثيرة. وكل واحد من هذه العوامل قد يؤثر في التعبير الجيني.
يمكن للباحثين استخدام التحليل الإحصائي لمحاولة الحد من تأثير بعض المتغيرات، لكن الإحصاء لا يستطيع تعويض صغر حجم العينة بالكامل. وكلما أصبحت المجموعات أصغر، زادت احتمالية أن تؤثر الفروق الفردية في النتائج.
لذلك، قد تكون النتائج مفيدة باعتبارها إشارة أولية تستحق إجراء دراسات أكبر، لكنها لا تكفي لإعلان أن نكهة معينة تسبب تغيرات أكثر خطورة من غيرها.
مقارنة غير متكافئة ولا تثبت أن الفيب هو السبب
تعاني الدراسة أيضاً من مشكلة أساسية في تصميمها؛ فهي دراسة مقطعية، أي إن الباحثين أخذوا عينات من المشاركين في وقت محدد وقارنوا النتائج بينهم.
هذا النوع من الدراسات يستطيع اكتشاف وجود علاقة، لكنه لا يستطيع إثبات السبب والنتيجة.
بمعنى آخر، يمكن للدراسة أن تقول إن مستخدمي الفيب ظهرت لديهم أنماط مختلفة في التعبير الجيني، لكنها لا تستطيع التأكد من أن الفيب وحده هو الذي تسبب فيها.
لا نعرف ما إذا كانت هذه التغيرات موجودة قبل بدء استخدام السجائر الإلكترونية، أو ما إذا كانت مرتبطة بتاريخ سابق من التدخين، أو بعوامل أخرى لم يتم قياسها بشكل كافٍ. كما لا نعرف إن كانت هذه التغيرات مؤقتة وستختفي لاحقاً، أم إنها ستستمر لفترة طويلة.

هناك أيضاً فرق كبير في مدة التعرض بين المجموعات. فقد استخدم بعض المدخنين السجائر التقليدية لعقود، بينما كانت مدة استخدام الفيب لدى المجموعة الأخرى أقصر بكثير.
لذلك، لا يمكن النظر إلى عدد الجينات المتأثرة في كل مجموعة والاستنتاج أن المنتج الذي ارتبط بعدد أكبر هو الأكثر ضرراً. فالمجموعتان لا تمثلان مدة تعرض متساوية، ولا تستخدمان مواد متطابقة، ولا يمكن مقارنة النتائج بينهما بهذه البساطة.
كما أن الفيب ليس منتجاً واحداً ثابتاً. تختلف الأجهزة في قوتها وحرارة تشغيلها، وتختلف السوائل في مكوناتها ونكهاتها وتركيز النيكوتين فيها. ويختلف المستخدمون أيضاً في عدد السحبات وطريقة الاستنشاق ومدة الاستخدام.
كل هذه الاختلافات تجعل تحديد العامل المسؤول عن النتائج أمراً شديد التعقيد.
🧠 الخلاصة
لكن هذه الدراسة لا تثبت أن الفيب يسبب السرطان، ولا تثبت حدوث طفرة في الحمض النووي، ولا تؤكد أن التغيرات المرصودة دائمة أو ضارة. كما أنها لا تسمح بالقول إن السجائر الإلكترونية أخطر من التدخين التقليدي.
ما قدمته الدراسة هو ملاحظة أولية عن اختلاف نشاط بعض الجينات لدى مجموعة صغيرة من المشاركين. وهي ملاحظة قد تساعد الباحثين في تحديد أسئلة جديدة، لكنها لا تمثل حكماً نهائياً على الآثار الصحية للفيب.
الفرق كبير بين أن ترصد الدراسة تغيراً يحتاج إلى التحقيق، وبين أن تثبت حدوث مرض. وفي هذه الحالة، تظل الأسئلة التي لم تجب عنها الدراسة أكثر من الإجابات التي قدمتها.
المصادر :
1 George J, Tommasi S, Pabustan N, Kessler DM, Thomas ZL, Baezconde-Garbanati L, Siegmund KD and Besaratinia A (2026) Multidimensional exposure architecture shapes vaping-associated transcriptomic dysregulation in oral epithelium. Front. Oncol. 16:1838256. doi: 10.3389/fonc.2026.1838256





