مع تزايد الأدلة العلمية التي تشير إلى دور السجائر الإلكترونية في مساعدة المدخنين على الإقلاع عن التدخين أو تقليل استهلاك السجائر التقليدية، يبرز سؤال جديد لا يقل أهمية عن السؤال الأساسي المتعلق بالفعالية: من هم الأشخاص الذين يستفيدون من هذه المنتجات أكثر من غيرهم؟

خلال السنوات الماضية، انقسمت الآراء حول هذه النقطة. فبينما يرى بعض الباحثين أن السجائر الإلكترونية قد تكون أكثر فائدة للمدخنين الذين يمتلكون دافعًا قويًا للإقلاع عن التدخين، أو لأولئك الأقل اعتمادًا على النيكوتين، افترض آخرون أن الاستفادة منها قد تختلف بحسب العمر أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية أو حتى التصورات الشخصية حول مخاطر التدخين والفيب.

دراسة أمريكية جديدة نُشرت في موقع ScienceDirect حاولت الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل بيانات واحدة من أكبر التجارب السريرية العشوائية التي أُجريت في الولايات المتحدة حول السجائر الإلكترونية والإقلاع عن التدخين. والنتيجة التي توصل إليها الباحثون كانت واضحة: لم يجدوا أي دليل على أن فائدة السجائر الإلكترونية تقتصر على فئة محددة من المدخنين.

من سؤال «هل تنجح؟» إلى سؤال «مع من تنجح؟»

معظم الدراسات السابقة ركزت على معرفة ما إذا كانت السجائر الإلكترونية تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين مقارنة بعدم استخدامها أو مقارنة باستخدام بدائل النيكوتين الأخرى. وقد أظهرت العديد من التجارب السريرية والمراجعات العلمية، بما في ذلك مراجعات كوكرين الشهيرة، أن السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين تزيد من فرص الإقلاع عن التدخين بشكل كبير.

لكن الباحثين في الدراسة الجديدة انطلقوا من زاوية مختلفة. فبدلًا من إعادة اختبار فعالية السجائر الإلكترونية بشكل عام، أرادوا معرفة ما إذا كانت هذه الفعالية تختلف بين فئات المدخنين المختلفة.

النشرة البريدية

تابع آخر أخبار السجائر الإلكترونية

اشترك في النشرة البريدية لـ Vaping Post لتبقى على اطلاع بآخر الأخبار والدراسات والمستجدات المتعلقة بالسجائر الإلكترونية وتقليل أضرار التدخين.

هل يستفيد الشباب أكثر من كبار السن؟ هل الرجال أكثر نجاحًا من النساء؟ هل المدخنون الأكثر اعتمادًا على النيكوتين يحققون نتائج أقل؟ وهل يحتاج الشخص إلى رغبة قوية في الإقلاع حتى يستفيد من السجائر الإلكترونية؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، استخدم الباحثون بيانات تجربة سريرية شملت 638 مدخنًا بالغًا من مختلف أنحاء الولايات المتحدة. تم تقسيم المشاركين عشوائيًا إلى مجموعتين: مجموعة حصلت على أجهزة فيب وسوائل إلكترونية لمدة أربعة أسابيع، ومجموعة لم تحصل على أي منتج. واستمرت متابعة المشاركين لمدة ستة أشهر لرصد التغيرات في سلوك التدخين.

تجربة أقرب إلى واقع المدخنين

الإقلاع عن التدخين حتى بعد الاربعينمن النقاط المثيرة للاهتمام في هذه الدراسة أن الباحثين لم يحاولوا فرض طريقة استخدام محددة للسجائر الإلكترونية على المشاركين.

فالمشاركون الذين حصلوا على أجهزة الفيب لم يتلقوا برنامجًا علاجيًا مكثفًا أو تعليمات صارمة حول كيفية استخدامها. بل جرى إبلاغهم بإمكانية استخدام المنتج بالطريقة التي يرونها مناسبة و بالكمية التي يرغبون بها، أو حتى عدم استخدامه إطلاقًا إذا لم يرغبوا بذلك.

هذا النهج يجعل الدراسة أقرب إلى الواقع اليومي للمدخنين مقارنة ببعض التجارب السريرية التي تُجرى في ظروف شديدة التحكم قد لا تعكس سلوك المستخدمين الحقيقيين.

ومن المثير للاهتمام أيضًا أن نحو 70% من المشاركين الذين حصلوا على السجائر الإلكترونية استخدموها فعليًا خلال فترة الدراسة، وهو ما يمنح الباحثين فرصة جيدة لفهم تأثير هذه المنتجات في ظروف استخدام واقعية نسبيًا.

هل العمر أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية تحدث فرقًا؟

حلل الباحثون مجموعة واسعة من العوامل التي يُعتقد عادة أنها تؤثر في فرص الإقلاع عن التدخين.

وشملت هذه العوامل العمر والجنس والعرق والمستوى التعليمي ومكان السكن، إضافة إلى وجود تشخيصات سابقة تتعلق بالصحة النفسية. كما أخذ الباحثون في الاعتبار ما إذا كان المشاركون يعيشون مع مدخنين آخرين أو مع مستخدمي سجائر إلكترونية داخل المنزل.

“النتائج جاءت مخالفة لتوقعات كثير من المراقبين”
فبعد إجراء التحليلات الإحصائية، لم يجد الباحثون أي فروق ذات دلالة إحصائية تشير إلى أن تأثير السجائر الإلكترونية يختلف بين هذه المجموعات المختلفة. وبعبارة أخرى، لم يظهر أن الرجال يستفيدون أكثر من النساء، أو أن فئة عمرية معينة تحقق نتائج أفضل من غيرها، أو أن الخلفية التعليمية تلعب دورًا حاسمًا في تحديد الاستفادة من السجائر الإلكترونية.

هذه النتيجة مهمة لأنها تشير إلى أن فوائد للسجائر الإلكترونية لا تبدو مرتبطة بخصائص ديموغرافية محددة، بل قد تكون متاحة لقطاع واسع من المدخنين البالغين.

ماذا عن المدخنين الذين لا يملكون رغبة قوية في الإقلاع؟

أحد أكثر الجوانب إثارة في الدراسة يتعلق بما يُعرف بـ«الدافع للإقلاع عن التدخين».

ففي مجال مكافحة التدخين، يُنظر غالبًا إلى الرغبة الشخصية في الإقلاع على أنها عامل أساسي للنجاح. ويعتقد بعض المختصين أن المدخنين غير المتحمسين للإقلاع يصعب عليهم تحقيق أي تقدم ملموس.

الدراسة أكدت بالفعل أن الأشخاص الذين كانت لديهم رغبة أكبر في الإقلاع حققوا نتائج أفضل بشكل عام مقارنة بأولئك الأقل حماسًا. لكن المفاجأة كانت أن تأثير توفير السجائر الإلكترونية كان متشابهًا تقريبًا بين المجموعتين.

بمعنى آخر، الأشخاص ذوو الدافع المنخفض لم يكونوا أقل استفادة من السجائر الإلكترونية مقارنة بذوي الدافع المرتفع عندما تمت مقارنة كل مجموعة بنظيرتها في المجموعة الضابطة.

هذه النتيجة قد تحمل دلالات مهمة في مجال الحد من أضرار التدخين. فهي تشير إلى أن بعض المدخنين قد يبدأون في تقليل استهلاك السجائر أو الانتقال تدريجيًا إلى بدائل أقل ضررًا حتى لو لم يكن الإقلاع الكامل هدفهم الأساسي عند البداية.

حتى المدخنون الأكثر اعتمادًا على النيكوتين استفادوا

كذلك فحص الباحثون تأثير درجة الاعتماد على النيكوتين. فمن المعروف أن بعض المدخنين يستهلكون كميات كبيرة من السجائر يوميًا ويجدون صعوبة أكبر في التوقف عن التدخين مقارنة بالمدخنين الأقل اعتمادًا على النيكوتين.

لكن النتائج لم تُظهر أن درجة الاعتماد على النيكوتين تغير من الفائدة النسبية للسجائر الإلكترونية.

صحيح أن المدخنين الأقل اعتمادًا يحققون عادة نتائج أفضل في محاولات الإقلاع عمومًا، إلا أن السجائر الإلكترونية بدت قادرة على تحقيق تأثير مشابه نسبيًا لدى المدخنين الأكثر اعتمادًا عند مقارنة النتائج بالمجموعة الضابطة.

وتُعد هذه النتيجة ذات أهمية خاصة لأن المدخنين الأكثر اعتمادًا على النيكوتين هم غالبًا الفئة الأكثر عرضة للمخاطر الصحية المرتبطة بالتدخين طويل الأمد.

ماذا تضيف هذه الدراسة إلى النقاش العلمي حول السجائر الإلكترونية؟

لا يمكن اعتبار هذه الدراسة دليلًا نهائيًا على أن السجائر الإلكترونية تعمل بالطريقة نفسها مع جميع المدخنين. فالعلم نادرًا ما يقدم إجابات مطلقة، والباحثون أنفسهم أشاروا إلى احتمال وجود فروق صغيرة لم تتمكن الدراسة من اكتشافها.

ومع ذلك، فإن أهمية هذه الدراسة تكمن في أنها لم تجد أي مؤشر قوي على وجود فئة سكانية محددة تستأثر بالفوائد المحتملة للسجائر الإلكترونية.

وتتعارض هذه النتائج مع بعض الدراسات الرصدية السابقة التي أشارت إلى أن العمر أو الجنس أو العرق قد يؤثر في فرص النجاح. ويرى الباحثون أن هذه الاختلافات ربما كانت ناتجة جزئيًا عن طبيعة الدراسات الرصدية نفسها، حيث يختار المشاركون استخدام السجائر الإلكترونية بمحض إرادتهم، ما قد يؤدي إلى تحيزات يصعب التحكم بها.

أما في التجارب العشوائية، فإن توزيع المشاركين يتم بطريقة تقلل هذه الانحيازات، وهو ما يمنح النتائج قوة أكبر من الناحية المنهجية.

🧠 الخلاصة

تقدم هذه الدراسة صورة مختلفة عن السجائر الإلكترونية في سياق الإقلاع عن التدخين. فبدلًا من البحث عن الفئة المثالية التي تستفيد منها، تشير النتائج إلى أن فوائدها تمتد إلى طيف واسع من المدخنين البالغين.

فالعمر والجنس والمستوى التعليمي ودرجة الاعتماد على النيكوتين وحتى مستوى الرغبة في الإقلاع لم تبدُ عوامل حاسمة في تحديد الاستفادة النسبية من السجائر الإلكترونية مقارنة بعدم استخدامها.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد هذه النتائج وفهمها بصورة أعمق، فإن الرسالة الأساسية تبدو واضحة: إذا كانت السجائر الإلكترونية تساعد بعض المدخنين على الابتعاد عن السجائر التقليدية، فإن هذه المساعدة لا تبدو مقتصرة على مجموعة محددة، بل قد تكون متاحة لشريحة واسعة من المدخنين الذين يبحثون عن بديل أقل ضررًا.

المصادر :

– Katelyn R. Koval, Tracy T. Smith, Amy E. Wahlquist, Elias M. Klemperer, K. Michael Cummings, Matthew J. Carpenter, Moderators of the impact of e-cigarette provision on smoking cessation: secondary analyses from a large naturalistic randomized clinical trial in the US, Addictive Behaviors. https://doi.org/10.1016/j.addbeh.2026.108772.

اشترك في النشرة الإخبارية

انضم إلى اكثر من 8000 مشترك في نشرة اخبار Vaping Post. لتبقى على اطلاع بجميع أخبار السجائر الالكترونية

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات