تزعم دراسة كندية أن مستخدمي السجائر الإلكترونية المزمنين يُعانون من اضطرابات قلبية رئوية ملحوظة أثناء ممارسة الرياضة. وقد استندت منظمة “جيل بلا تبغ” إلى هذه النتائج للتحذير من مخاطر السجائر الإلكترونية. إلا أن قراءة متأنية لبيانات الدراسة تكشف صورة أكثر تعقيدًا مما توحي به العناوين الإعلامية.
– كانت قيم ذروة استهلاك الأكسجين (VO2 peak) لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية وغير المستخدمين أقل بكثير من المتوسطات المرجعية، ما يشير إلى انخفاض مستوى النشاط البدني لدى المشاركين عمومًا؛
– بلغت أدنى قيم نسبة التهوية إلى إنتاج ثاني أكسيد الكربون (VE/VCO2 nadir) لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية 27.9، وهي قيمة تقع ضمن النطاق الطبيعي المعتمد سريريًا؛
– أظهرت أبرز نتائج الدراسة المتعلقة بقياسات DLCO تناقضًا داخليًا لم يقدّم الباحثون تفسيرًا واضحًا له؛
– لم تتضمن الدراسة أي مجموعة من المدخنين، ما يجعلها غير قادرة على معالجة قضية الحد من الضرر؛
– وباعتبارها دراسة مقطعية، فإنها لا تستطيع إثبات وجود علاقة سببية بين استخدام السجائر الإلكترونية وصحة الرئة.
عندما تتجاوز الاستنتاجات ما تسمح به البيانات
سلّطت جمعية “جيل بلا تبغ” الفرنسية (GST)، المعروفة بمواقفها المناهضة للسجائر الإلكترونية، الضوء على نتائج دراسة كندية حديثة¹. وذكرت الجمعية عبر منصاتها أن البحث يُظهر أن مستخدمي السجائر الإلكترونية بانتظام يعانون من اضطرابات قلبية تنفسية ملحوظة أثناء ممارسة الرياضة.
وأنهم يُظهرون مقارنة بغير المستخدمين انخفاضًا في القدرة البدنية وضيقًا أكبر في التنفس، إلى جانب مؤشرات قد تعكس ضعفًا مبكرًا في الدورة الدموية الرئوية.
أسس منهجية ضعيفة
سعى الباحثون إلى تحقيق هدفين رئيسيين: توصيف الاستجابات القلبية الرئوية أثناء التمارين الرياضية لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية الشباب الذين لا يملكون تاريخًا معروفًا من التدخين، وتقييم قدرة الرئتين على نقل أول أكسيد الكربون (DLCO) عند تغيير وضعية الجسم.
لكن الدراسة تعاني من عدد من القيود المنهجية التي تستدعي الحذر عند تفسير نتائجها.
أولًا، اعتمدت الدراسة على التصريحات الذاتية للمشاركين لتأكيد عدم وجود تاريخ تدخين سابق، دون إجراء أي اختبارات بيولوجية للتحقق من ذلك. وفي دراسة تهدف إلى عزل التأثير المحتمل لاستخدام السجائر الإلكترونية وحدها، يُعدّ التأكد من غياب التدخين السابق عنصرًا أساسيًا.
كما أُجري البحث على مجموعتين صغيرتين ضمت كل منهما 20 مشاركًا فقط، جرى اختيارهم بطريقة ملائمة وليس من خلال عينة ممثلة للسكان. لذلك لا تسمح هذه النتائج بتعميم الاستنتاجات على جميع مستخدمي السجائر الإلكترونية.
وفوق ذلك، تثير البيانات نفسها عددًا من التساؤلات.
بيانات لا تدعم الاستنتاجات المطروحة

بلغت قيمة ذروة استهلاك الأكسجين (VO2 peak) لدى المجموعة الضابطة 34.8 مل/كغ/دقيقة، مقابل 29.6 مل/كغ/دقيقة لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية.
ورغم أن هذا الفارق قد يوحي بانخفاض القدرة البدنية لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية، فإن مقارنته بالقيم المرجعية تُظهر صورة مختلفة. فوفقًا لدراسة FRIEND2 التي شملت 7783 مشاركًا، يبلغ متوسط ذروة استهلاك الأكسجين لدى الرجال بين 20 و29 عامًا نحو 47.6 مل/كغ/دقيقة، بينما يبلغ 37.6 مل/كغ/دقيقة لدى النساء من الفئة العمرية نفسها.
بمعنى آخر، كانت قيم VO2 peak في كلتا المجموعتين أقل بوضوح من القيم المرجعية المتوقعة للأشخاص الأصحاء في هذا العمر، ما يشير إلى أن المشاركين عمومًا لم يكونوا يتمتعون بمستويات مرتفعة من اللياقة البدنية.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة عندما نعلم أن مستوى النشاط البدني قيس من خلال استبيانات ذاتية فقط. لذلك لا يمكن استبعاد أن يكون اختلاف النشاط البدني بين المجموعتين قد ساهم في تفسير جزء من الفارق المسجل في VO2 peak.
وفي تعليق نقلته “جيل بلا تبغ”، قال الباحث الرئيسي مايكل ك. ستيكلاند إن “الشباب في سن 23 عامًا لا ينبغي أن يعانوا من ضيق التنفس”، مضيفًا أن مستوى الجهد المستخدم في الاختبار كان يعادل المشي المعتدل.
إلا أن ضيق التنفس أثناء التمرين يرتبط بشكل وثيق باللياقة البدنية الأساسية. فمن الطبيعي أن يعاني الأشخاص الأقل نشاطًا من ضيق التنفس بوتيرة أكبر من أقرانهم الأكثر ممارسة للرياضة. وتُظهر نتائج الدراسة نفسها أن المجموعتين سجلتا قيمًا منخفضة نسبيًا لذروة استهلاك الأكسجين مقارنة بالمراجع المتاحة.
نتائج ضمن النطاق الطبيعي
ينطبق الأمر نفسه على قياس أدنى مستوى لنسبة التهوية إلى إنتاج ثاني أكسيد الكربون (VE/VCO2 nadir)، وهو مؤشر يعكس عدد لترات الهواء اللازمة للتخلص من لتر واحد من ثاني أكسيد الكربون.
في اختبارات الجهد القلبي الرئوي، تبدأ القيم التي قد تثير القلق السريري عادة من 34، بينما يبلغ المتوسط المرجعي نحو 30.3.
في هذه الدراسة سجلت المجموعة الضابطة 26.4، بينما سجل مستخدمو السجائر الإلكترونية 27.9.
أما النتائج المتعلقة بسعة انتشار أول أكسيد الكربون (DLCO)، والتي اعتبرها الباحثون من أبرز نتائج الدراسة، فتطرح بدورها تساؤلات إضافية.
فإذا كان انخفاض DLCO يعكس فعلًا خللًا في الأوعية الدموية الرئوية كما يقترح المؤلفون، فمن المتوقع أن تنعكس هذه النتيجة على بعض المكونات المرتبطة بها، مثل حجم الدم الشعيري (VC) أو قدرة الغشاء على الانتشار (DM).
إلا أن الدراسة لم تُظهر فروقًا ذات دلالة إحصائية بين المجموعتين في أي من هذين المقياسين. كما أن هذه النتائج استندت إلى مجموعتين فرعيتين صغيرتين ضمتا 16 و17 مشاركًا فقط، ما يحدّ أكثر من قوة الاستنتاجات الممكن استخلاصها.
مقارنات غير ممكنة

على الرغم من أن الباحثين ذكروا أن نتائجهم “تتحدى الافتراض القائل بأن السجائر الإلكترونية بديل آمن للتبغ”، فإن الدراسة لم تتضمن أي مجموعة من المدخنين.
ومن ثم، لا يمكن استخدام هذه النتائج لإجراء مقارنة مباشرة بين التدخين واستخدام السجائر الإلكترونية، وهي المقارنة الأساسية التي يقوم عليها مفهوم الحد من الضرر.
وفي الواقع، فإن تقييم مدى أمان السجائر الإلكترونية لا يقتصر على مقارنة مستخدميها بأشخاص لم يستخدموا أي منتجات نيكوتين مطلقًا، بل يتطلب أيضًا مقارنتهم بالمدخنين الذين يُمثلون الفئة المستهدفة أساسًا من هذه المنتجات. ومن دون هذه المقارنة، لا يمكن للدراسة أن تحدد ما إذا كانت المؤشرات التي رُصدت لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية تمثل تحسنًا أو تراجعًا أو حتى مستوى مماثلًا لما يُلاحظ لدى المدخنين التقليديين.
حدود الدراسة لا تسمح بإثبات السببية
هناك نقطة منهجية أساسية أخرى تتمثل في أن الدراسة مقطعية بطبيعتها.
فهذا النوع من الدراسات يلتقط صورة للمشاركين في لحظة زمنية محددة، لكنه لا يسمح بتحديد ما إذا كانت الاختلافات المرصودة موجودة قبل بدء استخدام السجائر الإلكترونية أم ظهرت بعد ذلك.
وبالتالي، لا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية بين استخدام السجائر الإلكترونية والنتائج المسجلة في الدراسة.
🧠 الخلاصة
فالعينة صغيرة، والاعتماد على التصريحات الذاتية يطرح إشكالات منهجية، كما أن غياب مجموعة من المدخنين يمنع تقييم قضية الحد من الضرر. والأهم من ذلك أن معظم المؤشرات التي استند إليها الباحثون بقيت ضمن النطاقات الطبيعية المعتمدة سريريًا.
لذلك، لا تسمح هذه الدراسة بإثبات وجود اضطرابات قلبية رئوية ناجمة عن استخدام السجائر الإلكترونية، كما أنها لا تسمح باستبعاد وجود تأثيرات محتملة بشكل قاطع. وما يمكن قوله بثقة هو أن النتائج الحالية تستدعي دراسات أكبر وأكثر صرامة قبل الوصول إلى استنتاجات نهائية.
المصادر :
1 Williams, T. G., Collins, S. É., Brotto, A. R., D’Souza, A. W., Ehnes, C. M., Hicks, B., Weatherald, J., Leung, J. M., & Stickland, M. K. (2026). Do young individuals with chronic e-cigarette exposure display cardiopulmonary abnormalities during exercise and blunted recruitment of pulmonary diffusing capacity? CHEST, 169(6), 1616–1627. https://doi.org/10.1016/j.chest.2025.12.024
2 Kaminsky, L. A., Arena, R., & Myers, J. (2015). Reference standards for cardiorespiratory fitness measured with cardiopulmonary exercise testing: Data from the Fitness Registry and the Importance of Exercise National Database. Mayo Clinic Proceedings, 90(11), 1515–1523. https://doi.org/10.1016/j.mayocp.2015.07.026
3 American Thoracic Society & American College of Chest Physicians. (2003). ATS/ACCP statement on cardiopulmonary exercise testing. American Journal of Respiratory and Critical Care Medicine, 167(2), 211–277. https://doi.org/10.1164/rccm.167.2.211





