أعاد قرار إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بتجديد ترخيص منتجات التبغ المعدّلة المخاطر (MRTP) لبعض أجهزة IQOS فتح النقاش العالمي حول سياسات الحد من أضرار التبغ. وأكدت الوكالة الأمريكية أن التحول الكامل من السجائر التقليدية إلى جهاز IQOS يمكن أن “يُقلّل بشكل كبير من تعرّض الجسم للمواد الكيميائية الضارة أو التي يُحتمل أن تكون ضارة”.

ويُعتبر هذا الترخيص من أكثر المسارات التنظيمية تعقيدًا، إذ يتطلب تقديم بيانات علمية وسُمّية وسلوكية واسعة لإثبات أن المنتج قد يحقق فائدة للصحة العامة مقارنة بالاستمرار في التدخين التقليدي.

ويرى مؤيدو الحد من أضرار التبغ أن القرار يعكس حقيقة تدعمها أبحاث متزايدة، وهي أن الضرر الرئيسي المرتبط بالتدخين ينتج عن احتراق التبغ والدخان الناتج عنه، وليس عن النيكوتين نفسه. فمنتجات التبغ المُسخّن، مثل IQOS، تعمل على تسخين التبغ بدلًا من حرقه، ما يؤدي إلى خفض مستويات العديد من المواد السامة المرتبطة بأمراض القلب والرئة والسرطان مقارنة بالسجائر التقليدية.

كما سبق أن أشارت هيئة الصحة العامة في إنجلترا (PHE) وتقارير علمية أخرى إلى أن منتجات النيكوتين الخالية من الدخان تُعرّض المستخدمين لمستويات أقل بكثير من المواد الضارة مقارنة بالسجائر القابلة للاحتراق. ورغم ذلك، لا تزال بعض الجهات الصحية تتعامل مع منتجات التبغ المُسخّن والسجائر الإلكترونية باعتبارها لا تختلف جوهريًا عن السجائر التقليدية، وهو ما يعتبره مؤيدو الحد من الضرر تجاهلًا لفكرة المخاطر النسبية بين منتجات النيكوتين المختلفة.

ماذا تكشف تجربة اليابان مع منتجات التبغ المُسخّن؟

تجربة اليابان مع منتجات التبغ المُسخّن

تُعتبر اليابان من أبرز الأمثلة التي يستشهد بها مؤيدو الحد من الضرر عند الحديث عن تأثير منتجات التبغ المُسخّن على معدلات التدخين. فمنذ طرح جهاز IQOS ومنتجات مماثلة في السوق اليابانية، شهدت مبيعات السجائر التقليدية انخفاضًا متسارعًا وغير مسبوق مقارنة بالسنوات السابقة.

وأشارت دراسة نُشرت في مجلة BMJ Tobacco Control إلى أن وتيرة تراجع مبيعات السجائر في اليابان تسارعت بشكل واضح بعد دخول منتجات التبغ المُسخّن إلى السوق أواخر عام 2014. ووفقًا لبعض التقديرات، انخفضت مبيعات السجائر التقليدية بأكثر من 40٪ خلال ثلاث سنوات فقط، وهو ما يُعد من أكبر الانخفاضات المسجلة في دولة متقدمة دون اللجوء إلى سياسات حظر واسعة النطاق.

وفي الوقت نفسه، يواصل استخدام منتجات التبغ المُسخّن النمو عالميًا. فقد قدّرت دراسة رصدية تناولت انتشار هذه المنتجات بين عامي 2014 و2024 أن عدد مستخدمي منتجات التبغ المُسخّن قد يصل إلى نحو 49 مليون مستخدم حول العالم خلال عام 2024، مع وجود بعض النماذج التي قدّرت الرقم بمستويات أعلى. وخلص الباحثون إلى أن هذه المنتجات انتشرت عالميًا خلال فترة قصيرة نسبيًا، ما يعكس تزايد الطلب على بدائل أقل ضررًا بين المدخنين البالغين.

كما تشير بيانات من عدة أسواق إلى أن استخدام منتجات التبغ المُسخّن يتركز بشكل أساسي بين المدخنين الحاليين أو السابقين الباحثين عن بدائل للسجائر التقليدية، وليس بين أشخاص لم يسبق لهم استخدام النيكوتين. ويُلاحظ اتجاه مشابه أيضًا في المملكة المتحدة فيما يتعلق بالسجائر الإلكترونية، حيث تُظهر البيانات أن الغالبية العظمى من المستخدمين البالغين هم من المدخنين الحاليين أو السابقين.

طلب المزيد من الأدلة… نقاش علمي أم تأخير تنظيمي؟

حين تتحول المطالبة المستمرة بـ“مزيد من الأدلة” إلى سبب لتأخير البدائل الأقل ضررًا، يصبح السؤال: هل الهدف حماية الصحة أم حماية النهج التقليدي؟
ورغم توسع قاعدة البيانات العلمية المتعلقة بمنتجات التبغ المُسخّن والبدائل الخالية من الدخان، لا تزال بعض الجهات الصحية تعتبر أن الأدلة الحالية غير كافية للاعتراف الكامل بمفهوم الحد من أضرار التبغ. وبالنسبة للعديد من الباحثين، فإن استمرار المراقبة طويلة الأمد يُعد أمرًا منطقيًا في أي منتج مرتبط بالصحة العامة، خصوصًا مع استمرار تطور هذه المنتجات.

في المقابل، يرى بعض خبراء الحد من أضرار التبغ أن المطالبة المستمرة بمزيد من الأدلة، رغم تراكم الدراسات والبيانات الواقعية، قد تؤدي عمليًا إلى إبطاء اعتماد سياسات تنظيمية أكثر توازنًا. ويشير هؤلاء إلى أن تجاهل الفروقات النسبية في المخاطر بين السجائر التقليدية ومنتجات النيكوتين الخالية من الدخان قد ينعكس سلبًا على جهود تقليل الأمراض المرتبطة بالتدخين.

كما يثير بعض الباحثين تساؤلات حول قدرة المؤسسات الصحية التقليدية على التكيف مع التحولات السريعة في سوق النيكوتين، خصوصًا مع انتقال ملايين المدخنين إلى منتجات بديلة لا تعتمد على الاحتراق. ويرى هؤلاء أن الاعتماد الحصري على مقاربات “الامتناع الكامل” قد يصبح أقل فعالية مع تغير سلوك المستهلكين وتطور التكنولوجيا المرتبطة ببدائل التدخين.

الدليل العلمي أم الأيديولوجيا؟

الدليل العلمي أم الأيديولوجيا

في المقابل، يؤكد عدد من خبراء الصحة العامة أن منتجات التبغ المُسخّن ليست خالية من المخاطر، وأن الحاجة لا تزال قائمة لمتابعة آثارها طويلة الأمد، خصوصًا فيما يتعلق بالاستخدام المزدوج أو احتمالات جذب فئات عمرية صغيرة. إلا أن الجدل يتمحور بشكل متزايد حول مقارنة المخاطر النسبية بالسجائر التقليدية، وليس حول اعتبار هذه المنتجات آمنة بشكل مطلق.

ويتفق معظم الباحثين على أن منتجات التبغ المُسخّن، كغيرها من منتجات النيكوتين، يجب أن تخضع لتنظيم صارم يمنع تسويقها للقاصرين وغير المدخنين. لكن في المقابل، يرى مؤيدو الحد من أضرار التبغ أن تجاهل الفوارق الجوهرية بين السجائر القابلة للاحتراق والبدائل الخالية من الدخان قد يؤدي إلى تشويه فهم الجمهور للمخاطر الفعلية.

ويشير قرار إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الأخير إلى توجه متزايد نحو اعتماد مقاربة تنظيمية قائمة على تقييم المخاطر النسبية بدلًا من التعامل مع جميع منتجات النيكوتين باعتبارها متساوية في الخطورة. ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستتجه مؤسسات الصحة العامة وصانعو السياسات في العالم نحو تبني هذا النهج بشكل أوسع، أم أن الجدل الأيديولوجي سيستمر في عرقلة واحدة من أكثر استراتيجيات الحد من أضرار التبغ إثارة للنقاش خلال السنوات الأخيرة؟

ويطرح هذا التوجه سؤالًا يزداد حضورًا داخل نقاشات الصحة العامة: إذا كانت الهيئات التنظيمية، وعلى رأسها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، باتت تعترف بمبدأ “المخاطر النسبية” في ما يتعلق بمنتجات التبغ المُسخّن مثل IQOS، فلماذا لا يتم تطبيق المقاربة نفسها على السجائر الإلكترونية، رغم أن العديد من الدراسات تشير أيضًا إلى أنها تُعرّض المستخدمين لمستويات أقل بكثير من المواد السامة مقارنة بالسجائر التقليدية؟ ويرى بعض الباحثين أن هذا التباين في التعامل التنظيمي يعكس استمرار الانقسام بين المقاربة القائمة على تقليل الضرر، والمقاربات التي تفضّل التعامل مع جميع منتجات النيكوتين باعتبارها متساوية في الخطورة.

وفي النهاية، قد لا يدور النقاش الحقيقي حول النيكوتين بحد ذاته، بل حول ما إذا كانت سياسات الصحة العامة مستعدة للتعامل مع مفهوم “تقليل الضرر” كأداة واقعية للحد من التدخين، بدل الاكتفاء بمقاربات الامتناع الكامل فقط.

🧠 الخلاصة

يُظهر قرار إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بتجديد ترخيص IQOS أن النقاش حول الحد من أضرار التبغ لم يعد يقتصر على مكافحة التدخين فقط، بل أصبح يشمل أيضًا تقييم الفروقات في المخاطر بين منتجات النيكوتين المختلفة.

وبينما يؤكد خبراء الصحة العامة أن هذه المنتجات ليست خالية من المخاطر وتتطلب تنظيمًا صارمًا، يرى مؤيدو الحد من الضرر أن تجاهل مبدأ “المخاطر النسبية” قد يحرم ملايين المدخنين من بدائل قد تكون أقل ضررًا مقارنة بالاستمرار في التدخين التقليدي.

ومع تزايد استخدام البدائل الخالية من الاحتراق عالميًا، يتواصل الجدل حول الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المنتجات ضمن سياسات مكافحة التدخين مستقبلًا.

اشترك في النشرة الإخبارية

انضم إلى اكثر من 8000 مشترك في نشرة اخبار Vaping Post. لتبقى على اطلاع بجميع أخبار السجائر الالكترونية

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات