هل سبق أن تساءلت لماذا يستطيع بعض المدخنين الإقلاع بسهولة، بينما يفشل آخرون رغم المحاولات المتكررة؟ الإجابة قد لا تكون في “قوة الإرادة” فقط، بل في شيء أعمق بكثير.
هل المشكلة في الإرادة… أم في الجسم؟
هذا الاختلاف البيولوجي قد يكون السبب الحقيقي وراء التفاوت الكبير في نتائج الإقلاع بين المدخنين. فبينما يستطيع البعض التوقف بسرعة نسبية، يجد آخرون أنفسهم في صراع طويل مع الرغبة والانتكاس، حتى عند استخدام نفس الوسائل. دراسة حديثة من الأردن تسلط الضوء على هذا العامل، وتعيد طرح السؤال من زاوية مختلفة: ماذا لو كان الحل ليس في تغيير الشخص، بل في تغيير طريقة العلاج؟
دراسة أردنية: عندما يكشف العلم ما لا نراه
نشرت هذه الدراسة عبر مجلة PubMed Central، وركزت على مفهوم علمي قد يبدو معقدًا للوهلة الأولى، لكنه بسيط في جوهره: Nicotine Metabolite Ratio (NMR)، أو ما يُعرف بمؤشر استقلاب النيكوتين.
هذا المؤشر لا يقيس كمية النيكوتين التي يستهلكها الشخص، بل يقيس سرعة تعامل الجسم معه. أي أنه يحدد ما إذا كان الجسم يقوم بتفكيك النيكوتين بسرعة أو يحتفظ به لفترة أطول. هذه النقطة تحديدًا تغيّر الكثير من المعادلة.
فالشخص الذي يستقلب النيكوتين بسرعة، يفقد تأثيره بشكل أسرع، ما يدفعه إلى التدخين بشكل متكرر للحفاظ على نفس الإحساس. في المقابل، الشخص الذي يحتفظ بالنيكوتين لفترة أطول قد لا يشعر بالحاجة المتكررة نفسها. هذا الفرق البسيط ظاهريًا يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على شدة الإدمان وصعوبة الإقلاع.
الدراسة لم تكتفِ بهذا الجانب البيولوجي، بل ذهبت أبعد من ذلك، حيث بحثت في مدى وعي الناس بهذا المفهوم، ومدى تقبلهم لفكرة استخدامه في علاج الإقلاع عن التدخين. النتائج كانت لافتة: الغالبية لم تكن على دراية بوجود مثل هذا المؤشر أساسًا، لكن بعد شرحه، أبدى العديد من المشاركين استعدادًا لتجربته إذا كان سيساعدهم على الإقلاع.
في المقابل، ظهرت بعض التحفظات الطبيعية، مثل القلق من تكلفة الفحوصات أو من تعقيد إدخال هذا النوع من التحليل في النظام الصحي. ومع ذلك، الرسالة الأساسية كانت واضحة: هناك انفتاح على فكرة تخصيص العلاج بدل تعميمه.
من “علاج واحد للجميع” إلى علاج مفصل حسب كل مدخن
ما تقترحه هذه الدراسة يتماشى مع توجه أوسع في الطب الحديث يُعرف بالطب الشخصي. الفكرة هنا ليست جديدة بالكامل، لكنها لم تُطبق بعد بشكل واسع في مجال الإقلاع عن التدخين. بدلًا من تقديم نفس الحلول لكل المدخنين، يدعو هذا النهج إلى تصميم خطة علاجية مبنية على خصائص كل شخص، بما في ذلك طريقة تعامل جسمه مع النيكوتين.
هذا التحول مهم لأن الكثير من وسائل الإقلاع الحالية تفشل ليس لأنها غير فعالة، بل لأنها لا تناسب الجميع بنفس الدرجة. قد يحصل شخص على جرعة نيكوتين بديلة أقل من حاجته، فيبقى الشعور بالانسحاب قويًا، بينما قد يحصل آخر على جرعة أعلى مما يحتاج، دون فائدة إضافية.

في هذا السياق، يمكن لمؤشر مثل NMR أن يلعب دورًا حاسمًا في توجيه العلاج. بدل التخمين، يصبح القرار مبنيًا على معطيات بيولوجية. وهذا قد ينعكس مباشرة على نسب النجاح، خصوصًا لدى الفئات التي تعاني من صعوبة متكررة في الإقلاع.
السجائر الإلكترونية: أداة مرنة ضمن هذا التحول

في ظل هذا التوجه نحو التخصيص، تبرز السجائر الإلكترونية كأداة مختلفة عن الوسائل التقليدية، ليس لأنها “حل سحري”، بل لأنها تقدم ميزة عملية: إمكانية التحكم في جرعة النيكوتين.
على عكس السجائر العادية، التي تقدم جرعة شبه ثابتة، تتيح أجهزة الفيب للمستخدم اختيار تركيز النيكوتين المناسب له، وتعديله تدريجيًا. هذه المرونة تتماشى بشكل مباشر مع فكرة أن كل شخص يحتاج إلى مسار مختلف للإقلاع.
فالشخص الذي يستقلب النيكوتين بسرعة قد يحتاج إلى تركيز أعلى في البداية لتفادي أعراض الانسحاب، ثم يبدأ بتخفيضه تدريجيًا. في المقابل، يمكن لشخص آخر أن يبدأ بجرعة أقل ويصل إلى مرحلة الصفر بسرعة أكبر. هذه القدرة على التدرج تجعل الفيب أداة قابلة للتكيّف مع احتياجات مختلفة.
لكن من المهم هنا عدم الوقوع في التبسيط المفرط. السجائر الإلكترونية ليست خالية من المخاطر. إلا أن العديد من الدراسات تشير إلى أنها خيارًا أقل ضررًا مقارنة بالتدخين التقليدي عندما تُستخدم كوسيلة للإقلاع، وليس كمنتج ترفيهي دائم.
🧠 خلاصة القول
ما تكشفه هذه الدراسة ليس مجرد تفصيل علمي صغير، بل تحول في طريقة فهم الإدمان على النيكوتين. الفكرة لم تعد تدور حول “مدخن قوي وآخر ضعيف”، بل حول اختلافات حقيقية في طريقة عمل الجسم.
هذا يعني أن نجاح الإقلاع لا يعتمد فقط على القرار، بل على مدى توافق العلاج مع طبيعة الجسم. ومع تقدم الأبحاث، قد يصبح من الطبيعي في المستقبل أن يخضع المدخن لاختبار بسيط قبل بدء خطة الإقلاع، لتحديد المسار الأنسب له.
في النهاية، ربما كان السؤال خاطئًا منذ البداية.
ليس: “لماذا يفشل البعض في الإقلاع؟”
بل:
“هل نستخدم الطريقة المناسبة لكل شخص؟”
المصدر :
Salem A, Alsmarat F, Al-Awaida T, Al-Ramahi L, Shawawrah Y. Nicotine metabolite ratio and attitude towards nicotine metabolite ratio informed smoking cessation care in Jordan. Tob Prev Cessat. 2026 Apr 4;12. doi: 10.18332/tpc/217141. PMID: 41971753; PMCID: PMC13069928.





