تقف أوروبا اليوم عند مفترق طرق مهم فيما يتعلق بالسجائر الإلكترونية. ففي الوقت الذي يجادل فيه المنظمون حول فرض حظر على النكهات، والسجائر الإلكترونية ذات الاستخدام الواحد، ورفع الضرائب وتشديد القيود على النيكوتين بشكل عام، تشير أدلة جديدة إلى أن هذه السياسات لا تحقق نتائج فعالة.
وقد أكد خبراء المجال منذ فترة طويلة أن هذه السياسات تؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما هو مقصود: توسع الأسواق غير المشروعة (الاسواق السوداء) مع تقييد الوصول إلى منتجات قد تساعد المدخنين على اتخاذ ما هو أفضل لصحتهم.
وفي الوقت نفسه، لا تزال السجائر وهي أكثر منتجات النيكوتين فتكًا متاحة في كل مكان. وبالنسبة لأنصار الحد من أضرار التبغ، يصبح هذا التناقض أكثر وضوحًا يومًا بعد يوم.
ازدهار سوق السجائر الإلكترونية غير المشروعة في أوروبا

تقدم دراسة بارزة صادرة في عام 2026 عن معهد فراونهوفر أوضح صورة حتى الآن عن اقتصاد السجائر الإلكترونية الموازي أو غير المشروع في أوروبا. ووفقًا للتقرير، فإن ما يقرب من نصف السجائر الإلكترونية المستهلكة في الاتحاد الأوروبي تأتي من مصادر غير نظامية. الأرقام لافتة للنظر، إذ تبلغ قيمة السوقين السوداء والرمادية معًا ما لا يقل عن 6.6 مليار يورو، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 10.8 مليار يورو بحلول عام 2030. ولا يخضع سوى 52% من السوق للتنظيم الكامل (“الأبيض”)، بينما يوجد 13% في منطقة قانونية رمادية، و35% يُعد غير قانوني.
تقع مدينة شينزن في قلب هذه السلسلة من الإمداد، حيث تُصنّع معظم أجهزة السجائر الإلكترونية في العالم. ووفقًا لتقديرات سابقة، فإن 72% من الإنتاج الصيني يتم في هذه المنطقة الصغيرة وحدها، مع تصدير مليارات الأجهزة ذات الاستخدام الواحد سنويًا.
وتصل هذه المنتجات إلى أوروبا عبر مراكز لوجستية رئيسية في دول مثل ألمانيا وهولندا وبلجيكا، وغالبًا ما تمر عبر أنظمة الجمارك التي تعجز عن التعامل مع هذا الحجم. وبينما يصل ما يقدر بنحو 12 مليون طرد يوميًا إلى الولايات المتحدة من الصين، فإن قدرات الإنفاذ تعاني من نقص كبير في الموارد.
سياسات بنتائج عكسية
غير أن المسألة لا تتعلق فقط بضعف إنفاذ القوانين، بل هي مسألة بنيوية. فالإطار التنظيمي المجزأ في أوروبا يخلق فجوات سعرية وتناقضات قانونية تدفع نحو التجارة غير المشروعة. ففي بعض الدول تُفرض ضرائب مرتفعة جدًا على هذه المنتجات، بينما في دول أخرى، لا توجد ضرائب واضحة أو محددة. هذا التباين يفتح الباب أمام التهريب، وإعادة إدخال المنتجات أو إعادة التوزيع عبر الحدود.
وعليه، فإن المخاطر اقتصادية وصحية في آن واحد. فعلى سبيل المثال، بلغت خسائر الضرائب المرتبطة بالسجائر الإلكترونية غير القانونية في ألمانيا وحدها 119 مليون يورو في عام 2024. ومع تدفق المنتجات غير المنظمة إلى السوق، تفقد حكومات الاتحاد الأوروبي مليارات من الإيرادات الضريبية.
والأهم من ذلك، أن هذه المنتجات غالبًا ما لا تستوفي معايير السلامة. ففي حين يتم تسويق العديد من أجهزة السجائر الإلكترونية والسوائل للمستهلكين، لا توجد رقابة تنظيمية تضمن جودة المكونات أو تركيز النيكوتين أو اتساق التصنيع، مما يجعل حماية المستهلك عرضة للخطر.
مؤشرات على فشل سياسات الحظر
ارتفع استخدام السجائر الإلكترونية بين الشباب بنسبة 25% بعد حظر النكهات في هولندا، كما ارتفع التدخين بين الشباب بنسبة 4%. وبدلًا من الحد من الطلب، أدت هذه السياسة إلى تحويل الاستهلاك نحو قنوات غير منظمة حيث لا توجد أي آليات للتحقق من العمر أو معايير للمنتجات.
وبالمثل، سلط مقال حديث في صحيفة واشنطن بوست الضوء على أن حظر النكهات الذي فرضته إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لم يكن سوى فشل ذريع. وتتوافق هذه التقارير مع نتائج راسخة في مجال مكافحة التبغ: فالحظر لا يقضي على الاستخدام، بل يدفعه إلى قنوات أخرى.
الأبحاث تؤكد أن النكهات تساعد في الإقلاع

تظل النكهات واحدة من أكثر جوانب سياسات السجائر الإلكترونية إثارة للجدل. يقول المنتقدون إن النكهات مثل الحلوى أو الفواكه تجذب الشباب. لكن الأدلة المتزايدة تشير إلى أن النكهات تلعب دورًا مهمًا أيضًا لدى البالغين الذين يحاولون الإقلاع عن التدخين. فحوالي 68% من مستخدمي السجائر الإلكترونية البالغين في الاتحاد الأوروبي يستخدمون نكهات غير التبغ. وهذه التفضيلات لا يمكن تجاهلها فهي وظيفية. إذ يمكن للنكهات أن تقلل من خطر الانتكاس والعودة إلى التدخين من خلال كسر الرابط الحسي مع السجائر.
وقد وجدت الأبحاث أن البالغين الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية بنكهات لديهم معدلات نجاح أعلى بشكل ملحوظ في الإقلاع والاستمرار في الامتناع مقارنة بمن يستخدمون نكهة التبغ فقط. وعند توفر نكهات غير التبغ، قد تتضاعف فرص الإقلاع عن التدخين أكثر من مرتين.
ويتوافق ذلك مع تجارب سريرية كبرى أخرى، بما في ذلك دراسة نُشرت في مجلة نيو إنغلاند الطبية، والتي أظهرت أن أجهزة السجائر الإلكترونية أكثر فعالية في الإقلاع عن التدخين مقارنة بوسائل العلاج ببدائل النيكوتين التقليدية عند استخدامها مع دعم سلوكي.
وعليه، فإن إزالة النكهات لا تجعل المنتج أقل جاذبية فحسب، بل قد تجعله أقل فعالية أيضًا.
السجائر الإلكترونية كأداة للإقلاع

توجد قاعدة واسعة من الأدلة العلمية حول دور السجائر الإلكترونية كأداة للحد من الضرر. ففي دول مثل المملكة المتحدة، وجدت السلطات الصحية العامة باستمرار أن السجائر الإلكترونية تعرض المستخدمين لمستويات أقل بكثير من المواد السامة مقارنة بالسجائر التقليدية القابلة للاحتراق.
كما أجرت الوكالة الوطنية الفرنسية للسلامة الصحية (ANSES) تقييمًا علميًا (في فرنسا حيث تم حظر المنتجات ذات الاستخدام الواحد)، حللت فيه أكثر من 2500 دراسة، وأكدت أن السجائر الإلكترونية تقلل من المخاطر بالنسبة للمدخنين الذين يتحولون إليها. وأشار التقرير المؤلف من 700 صفحة إلى أنه رغم وجود بعض المخاطر المحتملة الطفيفة المرتبطة باستخدام السجائر الإلكترونية، إلا أنه حتى الآن لم يتم إثباتها بشكل فعلي.
وتعد الدراسة الصادرة عن معهد فراونهوفر في ألمانيا بمثابة تحذير واضح: إذا تم فرض قيود جديدة دون إصلاحات هيكلية، فقد تتفاقم الأمور. حيث يقترح الباحثون توحيد الضرائب، وتعزيز شفافية سلاسل التوريد من خلال أنظمة تتبع رقمية، وزيادة التعاون مع دول التصنيع مثل الصين. ومن المهم أنهم يحذرون من الحظر الشامل. فحوالي نصف السوق يعمل بالفعل خارج القنوات القانونية، وأي قيود إضافية ستزيد من ذلك.
لذلك، النقاش في أوروبا حول السجائر الإلكترونية لم يعد يتعلق بضرورة التنظيم، بل بنتائج هذا التنظيم. الأدلة تزداد وضوحًا: يمكن للسجائر الإلكترونية أن تساعد المدخنين على الإقلاع. وتُعد النكهات جزءًا من هذه العملية. كما أن تقييد الوصول لا يزيل الطلب بل يعيد توزيعه.
ومع خطر تكرار الأخطاء نفسها، لا يمكننا إلا التأكيد على أن السياسات يجب أن تعكس الفروقات في مستوى المخاطر، وأن تدعم المدخنين البالغين، وتحمي الوصول إلى البدائل المنظمة.





