في مارس 2026، أعلنت الكويت حظر بيع منتجات التبغ والسجائر الإلكترونية عبر تطبيقات التوصيل والمنصات الرقمية، في خطوة قُدمت ضمن إطار حماية الصحة العامة وتقليل وصول هذه المنتجات إلى القاصرين. القرار، كما هو الحال في العديد من الدول، بدا حاسمًا ومباشرًا: تقليل نقاط البيع يعني تقليل الاستهلاك. لكن هذه الفرضية، رغم بساطتها، تخفي خلفها إشكالية أعمق تتكرر في كل مرة يتم فيها اللجوء إلى الحظر كأداة تنظيمية.
ما يجعل هذه القضية معقدة ليس القرار بحد ذاته، بل الطريقة التي يتفاعل بها السوق مع مثل هذه القيود. فمنتجات النيكوتين، سواء كانت تقليدية أو إلكترونية، لا تخضع لمنطق استهلاكي عادي. الطلب عليها ليس مؤقتًا أو قابلًا للاختفاء بسهولة، بل هو طلب مستمر ومدفوع بعوامل بيولوجية و سلوكية معقدة. وهذا يعني أن أي محاولة للحد من الوصول لا تلغي الحاجة، بل تدفعها إلى البحث عن مسارات بديلة.
من هنا، يتحول السؤال من “هل يجب الحظر؟” إلى سؤال أكثر واقعية: ماذا يحدث فعليًا بعد الحظر؟ التجارب الدولية خلال السنوات الماضية تقدم إجابة واضحة، لكنها غالبًا ما يتم تجاهلها في الخطاب التنظيمي. الحظر لا يُنهي السوق، بل يعيد تشكيله، وغالبًا في اتجاه أكثر صعوبة في التحكم.
بين النظرية والتطبيق: أين تكمن المشكلة؟

من الناحية النظرية، يبدو الحظر أداة تنظيمية فعالة. تقليل عدد القنوات التي يمكن من خلالها شراء منتجات النيكوتين يفترض أن يؤدي إلى تقليل استخدامها، خاصة بين الفئات الأكثر عرضة مثل القاصرين. لكن هذه الفرضية تعتمد على تصور مبسط لسلوك المستهلك، حيث يفترض أن الوصول هو العامل الأساسي في الاستهلاك، وأن تقليله سيؤدي تلقائيًا إلى تراجع الطلب.
في الواقع، هذا التصور لا يعكس طبيعة السوق. فالمستهلك الذي يعتمد على النيكوتين لا يتخذ قراره بناءً على سهولة الوصول فقط، بل بناءً على الحاجة المستمرة. وعندما يتم إغلاق قناة معينة، لا يختفي هذا المستهلك، بل يبدأ في البحث عن بدائل و قنوات اخرى. وهذه القنوات قد تكون أقل وضوحًا، أقل أمانًا، وأقل خضوعًا للرقابة.
هنا يظهر الخلل الأساسي في منطق الحظر. فهو يركز على إغلاق القنوات الرسمية دون معالجة سلوك السوق ككل، ما يؤدي إلى نتيجة غير مقصودة: انتقال النشاط من بيئة منظمة يمكن مراقبتها إلى بيئة غير مرئية يصعب تتبعها.
كيف يعيد السوق تنظيم نفسه؟

عند فرض الحظر، لا يحدث فراغ في السوق، بل يحدث ما يمكن وصفه بعملية “إعادة توزيع”. القنوات الرسمية، مثل التطبيقات والمتاجر المرخصة، تتراجع أو تختفي، لكن الطلب يبقى كما هو. هذا الطلب يبدأ في التدفق نحو قنوات بديلة، غالبًا ما تكون خارج الإطار القانوني.
في عصر التواصل الرقمي، هذا الانتقال أصبح أسرع وأكثر سلاسة. مجموعات على تطبيقات المراسلة، حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، شبكات توزيع غير رسمية كلها تتحول إلى بدائل فورية. والأهم أن هذه القنوات لا تحتاج إلى بنية تحتية معقدة، ما يجعلها أكثر مرونة في التكيف مع القيود.
بمرور الوقت، لا يختفي السوق، بل يتغير شكله. ليصبح أقل وضوحًا، لكنه في كثير من الأحيان أكثر انتشارًا. والأخطر أنه يصبح أقل خضوعًا لأي نوع من الرقابة أو المعايير.
السوق السوداء: حين يتحول الحل إلى مشكلة

عندما ينتقل السوق إلى هذه البيئة غير الرسمية، تبدأ سلسلة من التغيرات التي تؤثر بشكل مباشر على الأهداف التي سعى الحظر لتحقيقها. أول هذه التغيرات هو فقدان السيطرة على جودة المنتجات. في غياب الرقابة، لا توجد ضمانات حقيقية بشأن مكونات المنتجات أو طريقة تصنيعها، ما يزيد من المخاطر الصحية.
لا يقتصر تأثير السوق السوداء على الجوانب الصحية فقط، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي. فانتقال تجارة منتجات النيكوتين إلى قنوات غير رسمية يعني خسارة مباشرة في الإيرادات الضريبية، ونمو اقتصاد غير منظم يصعب ضبطه. كما يخلق ذلك بيئة تنافس غير عادلة، حيث تعمل الجهات غير القانونية خارج أي التزامات تنظيمية أو مالية.
لكن التأثير الأكثر حساسية يتعلق بالقاصرين. في القنوات الرسمية، حتى وإن لم تكن الرقابة مثالية، هناك على الأقل آليات للتحقق من العمر، مثل أنظمة الدفع، أو التحقق الرقمي، أو حتى مسؤولية قانونية تقع على البائع. في السوق السوداء، هذه الآليات تختفي تمامًا. لا يوجد التزام، ولا توجد مساءلة، ولا توجد قيود فعلية.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: السياسة التي تهدف إلى تقليل وصول القاصرين قد تؤدي، عمليًا، إلى تسهيل هذا الوصول.
الولايات المتحدة: الحظر يخلق سوقًا موازية

في الولايات المتحدة، حاولت السلطات خلال السنوات الأخيرة الحد من انتشار السجائر الإلكترونية، خصوصًا بين الشباب، من خلال قيود على النكهات ومنع العديد من المنتجات من الحصول على تصاريح رسمية. هذه السياسات استندت إلى فكرة أن تقليل جاذبية المنتجات سيؤدي إلى تراجع استخدامها.
لكن ما حدث كان مختلفًا. تشير تقارير إلى أن نسبة كبيرة من سوق الفيب في الولايات المتحدة تشمل منتجات غير مصرح بها. السوق لم تختفِ، بل ظهرت طبقة واسعة من المنتجات غير المصرح بها. هذه المنتجات، التي غالبًا ما يتم استيرادها أو توزيعها خارج القنوات الرسمية، أصبحت تشكل جزءًا كبيرًا من السوق. بعض التقديرات تشير إلى أن نسبة ملحوظة من المنتجات المتداولة لا تخضع لموافقة تنظيمية كاملة.
هذا لا يعني أن التنظيم فشل بالكامل، لكنه يوضح أن القيود الجزئية، عندما لا تكون متكاملة أو قابلة للتطبيق بشكل كامل، قد تدفع جزءًا من السوق إلى العمل خارج الإطار الرسمي بدلًا من القضاء عليه.
أستراليا: نموذج الصرامة الذي كشف حدود الحظر

في أستراليا، تم اعتماد أحد أكثر الأنظمة تشددًا في العالم، حيث لا يمكن الحصول على منتجات النيكوتين إلا بوصفة طبية. الهدف كان واضحًا: تحويل استخدام هذه المنتجات إلى إطار طبي خاضع للرقابة.
لكن تقارير إعلامية كثيرة في أستراليا تتحدث عن انتشار واسع للسوق السوداء. وتوفر المنتجات بشكل غير قانوني في العديد من المتاجر أو عبر الإنترنت. هذا الانتشار لا يعكس فقط وجود طلب، بل يعكس أيضًا قدرة السوق على التكيف مع القيود.
المثير للاهتمام أن هذا الوضع أدى إلى مفارقة واضحة: نظام شديد الصرامة على الورق، لكنه يواجه صعوبة في فرض نفسه على أرض الواقع. وهذا يعيدنا إلى نفس النقطة: الحظر لا يزيل السوق، بل يعيد تشكيله.
الوهم الإحصائي: عندما تختفي المشكلة على الورق فقط
أحد الجوانب الأقل نقاشًا في هذه السياسات هو تأثيرها على البيانات. عندما يتم حظر منتج أو تقييد قنوات بيعه، ينخفض ظهوره في الإحصائيات الرسمية. هذا الانخفاض قد يُفسر على أنه نجاح، لكنه في كثير من الأحيان يعكس فقط انتقال النشاط إلى قنوات غير مرئية.
بمعنى آخر، المشكلة لا تختفي، بل تصبح أصعب في القياس. وهذا يخلق ما يمكن تسميته بـ”الوهم الإحصائي”، حيث يبدو الوضع أفضل مما هو عليه في الواقع، بينما تستمر الأنشطة خارج نطاق الرصد.
رغم اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية، تتكرر نفس النتيجة لأن العوامل الأساسية واحدة. الطلب على النيكوتين مستمر، والسوق قادرة على التكيف بسرعة، والتكنولوجيا توفر أدوات لتجاوز القيود بسهولة.
هذه العوامل تجعل من الصعب جدًا القضاء على السوق من خلال الحظر فقط. بل إن الحظر، في كثير من الحالات، يصبح عاملًا يدفع السوق إلى الابتكار في طرق جديدة للعمل خارج النظام.
نحو فهم مختلف: السيطرة بدل الحظر

إذا كانت التجارب تشير إلى أن الحظر لا يحقق النتائج المرجوة، فإن البديل ليس بالضرورة فتح السوق دون قيود، بل إعادة التفكير في طريقة التنظيم. الفكرة الأساسية هي إبقاء السوق ضمن نطاق يمكن مراقبته، بدل دفعه إلى الظل.
هذا يتطلب أدوات مختلفة، مثل استخدام التكنولوجيا للتحقق من العمر، وتطوير أنظمة رقابية أكثر دقة، والتركيز على استهداف القنوات غير القانونية بدل إغلاق القنوات الرسمية.
الأهم من ذلك هو الاعتراف بأن السوق والطلب الاستهلاكي لن يختفي، وأن تحقيق الهدف يجب أن يكون عبر إدارة هذه المنتجات وليس إلغاؤها.
🧠 خلاصة القول
تُظهر التجارب من الكويت إلى الولايات المتحدة وأستراليا وغيرها من الدول أن حظر بيع منتجات النيكوتين، خصوصًا عبر القنوات الرقمية، نادرًا ما يؤدي إلى اختفاء السوق. بدلًا من ذلك، يعيد تشكيله في اتجاه يجعله أقل شفافية وأكثر صعوبة في التنظيم.
المفارقة أن السياسات التي تهدف إلى حماية المستهلك قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى تقليل القدرة على حمايته، عبر فقدان أدوات الرقابة ودفع السوق إلى العمل خارج النظام.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن السوق أو معارضته، بل بفهم كيفية عمله. لأن أي سياسة تتجاهل هذا الفهم، مهما كانت نواياها جيدة، قد تنتهي بنتائج عكسية.
السؤال الحقيقي لصناع القرار لم يعد: هل يجب الحظر؟
بل: هل الحظر يمنحنا سيطرة أكبر … أم يفقدنا إياها؟





