مع تزايد الجدل العالمي حول مكافحة التبغ، تظهر موجةٌ جديدة من الأدلة العلمية التي تُفنّد الروايات القديمة، وتحثّ قادة الصحة العامة على مواكبة التطورات. ويكمن جوهر هذا النقاش في دور بدائل النيكوتين الآمنة، مثل السجائر الإلكترونية وأكياس النيكوتين، فيما إذا كانت تُساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين، أم تُسبّب إدمان جيلٍ جديدٍ. وبينما يتحوّل ملايين المدخنين بنجاحٍ إلى هذه الأدوات، لا تزال الأبحاث المُضلّلة والمعلومات الخاطئة تُعيق المضيّ قُدمًا.
الأبحاث والمعلومات المُضلّلة تؤدي الى سياسات خطيرة
كشفت دراسةٌ نقديةٌ حديثةٌ أجراها باحثون بارزون في هذا المجال، وهم Brad Rodu، و Nantaporn Plurphanswat، و Jordan Rodu، عن ثغراتٍ رئيسيةٍ في أحد أكثر الأبحاث التي يتم الاستشهاد بها، والمستخدمة في معارضة السجائر الإلكترونية. زعمت الدراسة، التي أجراها Glantz، أن مُستخدمي السجائر الإلكترونية يواجهون مخاطر صحية تُضاهي تلك التي يُواجهها المُدخنون التقليديون، وهو استنتاجٌ أُشير إليه على نطاقٍ واسع في النقاشات العامة وصنع السياسات والقرارات.
باختصار، خلص الباحثون إلى أن بحث Glantz لم يستوفِ المعايير العلمية الأساسية، ولا ينبغي استخدامه لإرشاد سياسات التبغ. وللأسف، فإن هذا النوع من المعلومات المضللة ليس حالة عابرة، بل هو نهج معروف يستخدم بكثرة لمحاربة السجائر الإلكترونية. وردًا على ذلك، أكد أقرانه باستمرار على أن المعلومات المضللة، مهما كانت نيتها، يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة، خاصةً عندما تحجب فوائد مفهوم الحد من الضرر.
مفارقة .. أكثر أمانًا بنسبة 95%، لكنها لا تزال محظورة
يأتي هذا الانتقاد في الوقت الذي أصدر فيه التحالف العالمي لمستخدمي السجائر الإلكترونية (WVA) تقريرًا جديدًا قويًا يحث منظمة الصحة العالمية (WHO) على تحديث نهجها. نُشر التقرير في الذكرى العشرين لاتفاقية منظمة الصحة العالمية الإطارية بشأن مكافحة التبغ (FCTC)، ويجادل بأن رفض المعاهدة العنيد لاستراتيجيات الحد من الضرر قد أبطأ التقدم، وربما يكون قد أودى بحياة ملايين الأشخاص.
بدلاً من اعتبار جميع منتجات النيكوتين متساوية الخطورة، التحالف العالمي لمستخدمي السجائر الإلكترونية إلى استراتيجية متناسبة مع المخاطر. وهذا يعني التنظيم القائم على الأدلة العلمية، وليس الذعر الإعلامي. يعرض التقرير 20 بندا رئيسيًا على مدى العقدين الماضيين، مسلطًا الضوء على كيف يمكن لمنتجات مثل السجائر الإلكترونية وأكياس النيكوتين أن تُسرّع من القضاء على التدخين إذا ما أُتيحت لها فرصة عادلة.
تأتي إحدى أقوى نقاط التقرير من بحث طويل أجرته هيئة الصحة العامة في إنجلترا، والذي وجد أن استخدام السجائر الإلكترونية يُنتج مواد سامة أقل بنسبة 95% على الأقل من السجائر التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، خلصت مراجعة Cochrane لعام 2023 إلى أن فعالية السجائر الإلكترونية تفوق فعالية بدائل النيكوتين التقليدية، مثل اللصقات أو العلكة، في مساعدة البالغين على الإقلاع عن التدخين.
السويد: نموذج يُحتذى به عالميًا
في الوقت نفسه، تُعتبر السويد قصة نجاح في مجال الحد من أضرار التبغ. بفضل التوفير الواسع للمنتجات المنخفضة المخاطر، مثل السنوس، وأكياس النيكوتين، والسجائر الإلكترونية، قضت البلاد تقريبًا على التدخين، حيث تُسجل الآن معدلات تقترب من 5%. يُلبي هذا الرقم الحد الأدنى الرسمي الذي حدده الاتحاد الأوروبي لمجتمع “خالٍ من التدخين“.
والأهم من ذلك، أن هذا التحول لم يأتِ على حساب الصحة العامة، بل على العكس تمامًا. كما تفتخر السويد ببعض أدنى معدلات الأمراض المرتبطة بالتبغ في الاتحاد الأوروبي، مما يُؤكد كيف يُمكن للحد من الأضرار أن يُؤدي إلى نتائج صحية ملموسة عند تبنيه على مستوى عالي.
وتشهد دول أخرى، مثل المملكة المتحدة و نيوزيلندا، والتي اعتمدت نهجًا عمليًا مماثلًا، انخفاضًا ملحوظًا في معدلات التدخين. ينبغي أن يكون هذا التوجه بمثابة جرس إنذار للدول التي لا تزال متمسكة بسياسات الحظر فقط.
حظر شامل، وفرص ضائعة
على الرغم من هذه الأدلة المتزايدة، تُواصل بعض الحكومات تشديد اللوائح التقييدية. حظرت كندا جميع منتجات أكياس النيكوتين المُنكّهة باستثناء النعناع والمنثول، وحصرت بيعها في الصيدليات، مما حدّ فعليًا من وصول البالغين إليها، بينما فشلت في السيطرة على الأسواق غير المشروعة عبر الإنترنت. وبالمثل، جعلت أستراليا مبيعات السجائر الإلكترونية في الصيدليات فقط عن طريق الوصفات الطبية، مما أدى ليس فقط إلى ازدهار السوق السوداء، بل إلى شبكة إجرامية متكاملة الأركان تؤدي إلى صراعات على الحكومة.
لقد أصبح من الواضح أن هذا النوع من النهج يساوي عدم احراز اي تقدم في الإقلاع عن التدخين. إن حظر النكهات، والضرائب المُفرطة، و الحظر التام لا يُلغي استخدام النيكوتين، بل يدفع المستهلكين إلى خيارات أكثر خطورة أو إلى أسواق غير مُنظّمة. البحوث والدراسات واضحة، والأدلة تتزايد. لقد حان الوقت لقادة الصحة العامة في العالم للحاق بالركب، والتوقف عن السماح للأبحاث المُضلّلة والأيديولوجيات المدفوعة بالوقوف في طريق التقدم.