منذ ظهور السجائر الإلكترونية وانتشار استخدامها كبديل للتدخين التقليدي، رافقتها العديد من الشائعات والمعلومات المتناقضة حول تأثيرها على الصحة. ومن بين أكثر الادعاءات انتشارًا في العالم القول إن الجلسرين النباتي المستخدم في السوائل الإلكترونية يمكن أن يؤدي إلى ما يُعرف بـ «تجمع الماء على الرئة».
هل يسبب الجلسرين في السجائر الإلكترونية تجمع الماء على الرئة؟
الجواب: لا توجد أدلة علمية تثبت أن الجلسرين النباتي (VG) المستخدم في السوائل الإلكترونية يسبب ما يُعرف شعبيًا بـ«الماء على الرئة» أو ارتشاح الغشاء البلوري. ووفقًا لأخصائي أمراض الصدر والحساسية الدكتور محمود البتنوني، فإن تجمع السوائل حول الرئة يرتبط عادة بأسباب طبية معروفة مثل أمراض القلب والالتهابات وبعض أنواع السرطان والأمراض المناعية، وليس بالجلسرين المستخدم في السجائر الإلكترونية. ومع ذلك، فإن غياب هذا التأثير المحدد لا يعني أن السجائر الإلكترونية خالية تمامًا من المخاطر الصحية، بل يعني فقط أن الادعاء بوجود علاقة مباشرة بين الجلسرين و«الماء على الرئة» لا يستند إلى دليل علمي موثوق حتى الآن.
وتتكرر هذه الفكرة بشكل خاص عند الحديث عن السوائل الإلكترونية التي تحتوي على نسب مرتفعة من الجلسرين النباتي (VG)، إذ يعتقد البعض أن استنشاق هذه المادة لفترات طويلة قد يؤدي إلى تراكم السوائل داخل الرئتين أو حولهما. وفي كثير من الأحيان يتم تداول هذه المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي أو في مجموعات النقاش دون الاستناد إلى مصادر طبية أو علمية موثوقة.
لكن هل يوجد بالفعل دليل علمي يربط الجلسرين النباتي بظهور «الماء على الرئة»؟ وهل يتفق الأطباء المتخصصون مع هذا الادعاء؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من فهم ما المقصود بهذه الحالة طبيًا، ثم مراجعة ما يقوله المختصون والأدلة العلمية المتاحة حتى اليوم.
طبيب امراض صدر وحساسية: الجلسرين لا يسبب «الماء على الرئة»
تناول أخصائي أمراض الصدر والحساسية الدكتور محمود البتانونى هذا الموضوع بشكل مباشر بعد أن تلقى سؤالًا حول ما إذا كان الجلسرين المستخدم في السجائر الإلكترونية يمكن أن يسبب «الماء على الرئة».
وأوضح الدكتور محمود البتانونى أن المشكلة تبدأ أصلًا من استخدام مصطلح شعبي غير دقيق. فعبارة «الماء على الرئة» قد يقصد بها الكثير من الناس حالة تُعرف طبيًا باسم ارتشاح الغشاء البلوري، وهي تجمع السوائل بين الرئة والغشاء المحيط بها.
وأشار الدكتور إلى أن أسباب هذه الحالة متعددة جدًا، وتشمل طيفًا واسعًا من الأمراض والمشكلات الصحية، مثل فشل القلب، والالتهابات الرئوية، وبعض أنواع السرطان، والأمراض المناعية، ونقص بعض البروتينات المهمة في الدم مثل الألبومين، إضافة إلى أسباب أخرى كثيرة معروفة في المراجع الطبية.
اضاف ايضا، إن الجلسرين النباتي المستخدم في السجائر الإلكترونية لا يُعرف طبيًا كسبب من أسباب ارتشاح الغشاء البلوري، ولا توجد أدلة علمية تثبت أنه يؤدي إلى تجمع السوائل حول الرئتين. وأضاف أن الحديث عن وجود علاقة مباشرة بين الجلسرين و«الماء على الرئة» لا يستند إلى معطيات علمية مثبتة.
وفي الوقت نفسه، شدد الطبيب على نقطة مهمة كثيرًا ما يتم تجاهلها في النقاشات العامة، وهي أن نفي وجود علاقة بين الجلسرين وارتشاح الغشاء البلوري لا يعني أن السجائر الإلكترونية خالية تمامًا من المخاطر الصحية. فالمسألتان مختلفتان تمامًا، ومن الخطأ استخدام إحداهما لإثبات أو نفي الأخرى.
هذه الملاحظة تستحق التوقف عندها، لأن بعض الأشخاص يقعون في خطأين متعاكسين: فهناك من يبالغ في ربط كل مشكلة صحية بالسجائر الإلكترونية دون دليل، وهناك من يعتبر أن عدم ثبوت ضرر معين يعني أن المنتج آمن بالكامل، وهو استنتاج غير صحيح علميًا.
ما المقصود أصلًا بعبارة «الماء على الرئة»؟
أحد أسباب انتشار هذه الشائعة هو أن عبارة «الماء على الرئة» تُستخدم لوصف حالات مختلفة تمامًا من الناحية الطبية.
حيث يمكن أن تشير عبارة «الماء على الرئة» إلى حالتين رئيسيتين:
- ارتشاح الغشاء البلوري (Pleural Effusion)، وهو تجمع السوائل بين الرئة والغشاء المحيط بها.
- الوذمة الرئوية (Pulmonary Edema)، وهي تجمع السوائل داخل أنسجة الرئة أو الحويصلات الهوائية نفسها.
ورغم أن الحالتين تتعلقان بوجود سوائل في منطقة الرئتين، فإن الأسباب والآليات المرضية والعلاج تختلف بشكل كبير بينهما. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما ترتبط الوذمة الرئوية بمشكلات القلب والدورة الدموية، بينما قد يحدث ارتشاح الغشاء البلوري نتيجة التهابات أو أورام أو أمراض مناعية أو اضطرابات في الكبد والكلى وغيرها من الحالات المرضية.
ولهذا السبب لا يمكن التعامل مع عبارة «الماء على الرئة» على أنها تشخيص طبي محدد، ولا يمكن الادعاء بأن مادة معينة تسبب هذه الحالة دون تحديد نوع المشكلة الصحية المقصودة.
كما أن الأطباء لا يعتمدون على هذا الوصف الشعبي عند التشخيص، بل يلجؤون إلى الفحوصات والصور الشعاعية وتحليل السوائل عند الحاجة لمعرفة السبب الحقيقي وراء الحالة.
من أين جاءت فكرة أن الجلسرين يسبب تجمع السوائل في الرئة؟

لفهم سبب انتشار هذه الفكرة، يجب أولًا معرفة طبيعة الجلسرين النباتي نفسه.
الجلسرين النباتي أو Vegetable Glycerin هو أحد المكونات الأساسية في معظم السوائل الإلكترونية. ويُستخدم إلى جانب البروبيلين غليكول والنكهات والنيكوتين لإنتاج الرذاذ الذي يستنشقه المستخدم.
كلما ارتفعت نسبة الجلسرين في السائل الإلكتروني، زادت كثافة السحب الناتجة عن الجهاز. وربما يكون هذا أحد الأسباب التي دفعت بعض الأشخاص إلى الاعتقاد بأنهم يستنشقون كميات كبيرة من «الماء» الذي قد يتراكم لاحقًا داخل الرئتين.
لكن ما يخرج من السجائر الإلكترونية ليس ماءً بالمعنى التقليدي، بل رذاذ يتكون من جزيئات دقيقة ناتجة عن تسخين مكونات السائل الإلكتروني. وهذا الرذاذ يختلف علميًا عن بخار الماء النقي كما يختلف عن السوائل المرضية التي تتجمع داخل الجسم نتيجة أمراض معينة.
وفي مقال سابق نشرناه على موقعنا حول هذا الموضوع، تمت الإشارة إلى أن السوائل الإلكترونية لا تتكون أساسًا من الماء، وأن الربط المباشر بين استخدام السجائر الإلكترونية وحدوث تجمع للسوائل حول الرئة لا تدعمه الأدلة العلمية المتوفرة.
ويبدو أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يعود إلى خلط المفاهيم بين الرذاذ الناتج عن السجائر الإلكترونية وبين المشاكل المرضية التي قد تظهر في حالات طبية معينة. فمجرد رؤية سحابة بيضاء كثيفة لا يعني أن الرئة تمتلئ بالماء أو أن الجسم يفقد قدرته على التخلص من السوائل بشكل طبيعي.
كما أن الجلسرين مادة مستخدمة منذ عقود في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل، ولم تُعرف تاريخيًا بأنها تسبب ارتشاح الغشاء البلوري أو تؤدي إلى تجمع السوائل حول الرئة بالطريقة التي يتم تداولها في بعض المنشورات على الإنترنت.
ماذا تقول الأدلة العلمية المتاحة حتى اليوم؟

عند مراجعة الأبحاث العلمية المتعلقة بالسجائر الإلكترونية وصحة الرئة، لا نجد أدلة تثبت أن الجلسرين النباتي المستخدم في السوائل الإلكترونية يؤدي إلى ارتشاح الغشاء البلوري أو إلى ما يعرف شعبيًا باسم «الماء على الرئة».
هذا لا يعني أن الأبحاث المتعلقة بالسجائر الإلكترونية انتهت أو أن جميع الأسئلة قد تمت الإجابة عنها. فما زالت هناك دراسات تتابع التأثيرات طويلة الأمد لاستخدام هذه المنتجات، وما زال الباحثون يدرسون تأثير بعض المكونات والنكهات المختلفة على الجهاز التنفسي.
لكن من المهم التفريق بين وجود أبحاث تدرس التأثيرات المحتملة للفيب على صحة الرئة، وبين الادعاء المحدد بأن الجلسرين يسبب تجمع السوائل حول الرئة.
فالإدعاء الأخير يحتاج إلى أدلة مباشرة وواضحة تثبت العلاقة السببية، وهو ما لا توفره الدراسات العلمية الحالية.
كما أن بعض الحالات المرضية التي ارتبطت بالسجائر الإلكترونية خلال السنوات الماضية، مثل أزمة EVALI التي شهدتها الولايات المتحدة عام 2019، تم ربطها لاحقًا بمنتجات غير قانونية تحتوي على أسيتات فيتامين E، وليس بالجلسرين النباتي المستخدم في السوائل الإلكترونية التقليدية.
وهذا مثال آخر على أهمية التمييز بين أنواع المنتجات المختلفة وعدم التسرع في تعميم النتائج أو ربط جميع المشكلات الصحية بمكون واحد دون وجود دليل علمي واضح.
🧠 الخلاصة
ويبدو أن جزءًا كبيرًا من الاعتقاد الشائع حول هذا الموضوع يعود إلى خلط المفاهيم بين الرذاذ الناتج عن السجائر الإلكترونية وبين تجمع السوائل المرضي داخل أو حول الرئتين. وحتى اليوم، لا توجد أدلة علمية تثبت وجود علاقة مباشرة بين الجلسرين النباتي وارتشاح الغشاء البلوري.
ومع ذلك، فإن غياب هذا التأثير المحدد لا يعني أن السجائر الإلكترونية خالية من المخاطر الصحية، بل يعني ببساطة أن الادعاء القائل بأن الجلسرين يسبب «الماء على الرئة» لا يستند إلى دليل علمي موثوق في الوقت الحالي.





