كان يُنظر إلى أستراليا لسنوات طويلة على أنها واحدة من أكثر الدول تشدداً في مكافحة التدخين، ومن المفترض أن يؤدي فرض ضرائب باهظة على التبغ وحظر السجائر الإلكترونية إلى خفض استهلاك النيكوتين في أستراليا.
إلا أن ما حدث كان العكس تماما : فبحسب دراسة رسمية نُشرت في 3 يونيو، ارتفع الاستهلاك بنسبة 40% خلال ثماني سنوات، و 80% من النيكوتين يأتي من السوق السوداء.
نتائج تثير التساؤلات حول فعالية سياسة مكافحة التدخين
في المقابل، أظهرت الحسابات القومية انخفاض إنفاق الأسر الأسترالية على منتجات التبغ القانونية إلى النصف تقريباً منذ عام 2020. وكان من الممكن تفسير هذا الانخفاض على أنه دليل على تراجع الاستهلاك، غير أن الواقع الميداني كان يروي قصة مختلفة تماماً.
فعلى مدار السنوات الماضية، حذرت وسائل الإعلام والجمعيات المختصة والعديد من الجهات المعنية من تنامي السوق السوداء لمنتجات النيكوتين والتبغ. ووجد مكتب الإحصاء الأسترالي نفسه أمام مفارقة واضحة: فبينما كانت الأرقام الرسمية تشير إلى تراجع المبيعات القانونية، كانت المؤشرات الأخرى تدل على أن جزءاً كبيراً من الاستهلاك انتقل ببساطة إلى القنوات غير المشروعة.
إحصائيًا، كان من السهل ربط هذا الانخفاض في الإنفاق الأسترالي بزيادة الضرائب. ويمكن تفسير هذا الانخفاض على أنه انخفاض في الاستهلاك، وبالتالي في عدد المدخنين. لكن المشكلة تكمن في أن الجمعيات ووسائل الإعلام والمؤسسات الأخرى في أستراليا كانت تُبلغ باستمرار عن ازدهار السوق السوداء. وهكذا وجد مكتب الإحصاء الأسترالي نفسه في موقف حرج: إذ أعطت أرقامه الرسمية انطباعًا بأن الأستراليين يدخنون أقل، بينما أشارت جهات معنية أخرى إلى أن الاستهلاك قد تحول ببساطة إلى السوق السوداء.
تحليل مياه الصرف الصحي لكشف الاستهلاك الحقيقي
لمعالجة هذه الفجوة، اعتمد مكتب الإحصاء الأسترالي منهجية تُستخدم عادة لتقدير استهلاك بعض المواد على مستوى السكان، وهي تحليل مياه الصرف الصحي.
وتعتمد هذه الطريقة على جمع عينات من محطات معالجة المياه وقياس تركيز نواتج أيض النيكوتين التي يطرحها الجسم عبر البول، ثم مقارنة النتائج بعدد السكان المرتبطين بكل محطة. ويسمح ذلك بتقدير حجم الاستهلاك الفعلي للنيكوتين بعيداً عن بيانات المبيعات أو التصريحات الفردية.
ولم يكتفِ الباحثون بذلك، بل قاموا بربط النتائج ببيانات ضريبية وتجارية مختلفة بهدف تقدير حجم النيكوتين الذي يمكن أن يكون مصدره المنتجات القانونية، ومن ثم تحديد حجم الاستهلاك القادم من مصادر غير مشروعة.
وبعد تحليل عينات مأخوذة من 60 محطة معالجة تغطي نحو 60% من سكان أستراليا، خلص المكتب إلى نتيجة لافتة: ما يقارب 80% من النيكوتين المستهلك في البلاد يأتي حالياً من مصادر غير قانونية.
من 12% إلى 80% خلال ثماني سنوات
تشير التقديرات إلى أن نسبة النيكوتين القادم من السوق السوداء كانت تبلغ نحو 12% فقط عام 2017. أما في عام 2025 فقد ارتفعت إلى نحو 80%.
وكانت مفوضية ITEC المعنية بالتبغ غير المشروع قد قدرت سابقاً حصة السوق السوداء بما يتراوح بين 50 و60% خلال الفترة 2024-2025.
ويرى مكتب الإحصاء الأسترالي أن الفارق بين التقديرين يعود إلى أن منهجيته تشمل جميع منتجات النيكوتين، بما في ذلك منتجات التبخير الإلكتروني التي تُعتبر في كثير من الحالات جزءاً من السوق غير المشروعة بسبب القيود التنظيمية المفروضة عليها.
هل ساهمت القيود في تعزيز السوق السوداء لـ النيكوتين؟

تفرض أستراليا أحد أكثر الأطر التنظيمية تشدداً على منتجات النيكوتين والسجائر الإلكترونية في العالم. وبينما كان الهدف من هذه السياسات تقليل الاستهلاك وحماية الصحة العامة، تشير النتائج الجديدة إلى أن الطلب على النيكوتين لم يختفِ، بل انتقل بشكل متزايد إلى السوق السوداء.
ويُظهر التقرير أيضاً أن استهلاك النيكوتين ارتفع بنسبة 40% بين عامي 2017 و2025، في حين لم يتجاوز النمو السكاني خلال الفترة نفسها 14%.
ورغم أن مكتب الإحصاء الأسترالي يؤكد أن البيانات لا تسمح بتحديد أسباب هذا الارتفاع بدقة، فإن النتائج تشير إلى أن تشديد القيود والضرائب لم ينجح في الحد من استهلاك النيكوتين. فبدلاً من اختفاء الطلب، شهدت البلاد ارتفاعاً في الاستهلاك بالتزامن مع توسع غير مسبوق للسوق السوداء، التي أصبحت المصدر الرئيسي للنيكوتين في أستراليا.
حالة أستراليا نموذجاً لتحذير صناع القرار
رغم أن مكتب الإحصاء الأسترالي يصف هذه النتائج بأنها أولية وقابلة للمراجعة مع تطور المنهجية المستخدمة، فإنها تقدم صورة غير مسبوقة عن حجم السوق السوداء في البلاد.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات مهمة حول فعالية السياسات التي تعتمد بشكل أساسي على رفع الضرائب وتشديد القيود التنظيمية دون توفير بدائل قانونية سهلة الوصول للمستهلكين. فبعد سنوات من الإجراءات الصارمة، أصبحت السوق السوداء المصدر الرئيسي للنيكوتين في أستراليا، بينما واصل الاستهلاك ارتفاعه بدلاً من الانخفاض.
وبالنسبة للعديد من المتابعين لسياسات الحد من أضرار التدخين، تمثل الحالة الأسترالية مثالاً واضحاً على المخاطر المحتملة للنهج الذي يركز على المنع والتقييد أكثر من التركيز على توفير بدائل قانونية ومنظمة للمدخنين البالغين.





