بحث تحليل علمي جديد العلاقة المحتملة بين استخدام السجائر الإلكترونية وعدد من المؤشرات المرتبطة بصحة السكر في الدم، وهي: مقدمات السكري، والسكري، ومقاومة الإنسولين. والنتيجة الأبرز كانت مطمئنة إلى حد كبير: لم يجد الباحثون علاقة مثبتة بين الاستخدام الحصري للسجائر الإلكترونية والإصابة بالسكري.
لكن هذه الخلاصة لا تعني أن الملف حُسم بالكامل. فقد رصد التحليل إشارات غير مستقرة حول مقدمات السكري ومقاومة الإنسولين، إلا أن قوة هذه النتائج تبقى محدودة بسبب مشاكل منهجية مهمة، أبرزها أن أغلب الدراسات المشمولة كانت دراسات مقطعية لا تسمح بإثبات علاقة سببية. بمعنى آخر، الدراسة لا تقول إن السجائر الإلكترونية تسبب السكري، ولا تقول أيضًا إن كل الاحتمالات المتعلقة بالتأثيرات الأيضية قد أُغلقت نهائيًا.
دراسة تتطلب قراءة حذرة
وأُجري العمل من قبل باحثين مرتبطين بعدة مؤسسات علمية، من بينها مركز CoEHAR في جامعة كاتانيا الإيطالية، وهو مركز معروف بأبحاثه في مجال الحد من أضرار التدخين. لكن من المهم، من الناحية التحريرية والعلمية، الإشارة إلى أن بعض الإفصاحات المتعلقة بالمصالح والتمويل تستدعي قراءة النتائج بحذر. فاسم الباحث Riccardo Polosa حاضر في هذا المجال منذ سنوات، كما أن الدراسة تشير إلى علاقات وتمويلات سابقة مرتبطة بجهات تعمل في مجال الحد من أضرار التبغ.
هذا لا يعني أن نتائج الدراسة يجب رفضها تلقائيًا، ولا أن الأرقام المنشورة غير صالحة. لكنه يعني أن التعامل معها يجب أن يكون نقديًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملف صحي حساس مثل السجائر الإلكترونية والسكري. فالشفافية حول التمويل وتضارب المصالح لا تُضعف الدراسة بالضرورة، لكنها تفرض على القارئ والباحث والصحفي أن يميزوا بين النتائج نفسها، وطريقة تفسيرها، وحدودها المنهجية.
ماذا وجد التحليل الجديد؟
شمل التحليل عشر دراسات نُشرت بين عامي 2019 و2025، من بينها تسع دراسات مقطعية ودراسة طولية واحدة تابعت المشاركين مع مرور الوقت. وغطت هذه الدراسات أكثر من 2.8 مليون مشارك بالغ، معظمهم من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، إضافة إلى دراسة اسكتلندية.
ولكي لا تختلط النتائج، قسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث فئات رئيسية: مستخدمو السجائر الإلكترونية فقط، والمستخدمون المزدوجون الذين يجمعون بين السجائر الإلكترونية والتدخين التقليدي، والمستخدمون السابقون للسجائر الإلكترونية. هذا التقسيم مهم جدًا، لأن الخلط بين من يستخدم الفيب فقط ومن يستمر في تدخين السجائر التقليدية قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة.
النتيجة الأوضح في الدراسة كانت أن الاستخدام الحصري للسجائر الإلكترونية لم يرتبط بشكل مثبت بالإصابة بالسكري. أما المجموعة الوحيدة التي أظهرت ارتباطًا إحصائيًا بالسكري فهي مجموعة المستخدمين المزدوجين، أي الأشخاص الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية لكنهم يواصلون التدخين في الوقت نفسه.
وهذه نقطة مهمة، لأن التدخين التقليدي معروف أصلًا بارتباطه بمخاطر صحية عديدة، من بينها اضطرابات أيضية ومشاكل مرتبطة بالسكري. لذلك فإن ظهور إشارة خطر لدى المستخدمين المزدوجين قد يعكس استمرار التعرض لدخان السجائر القابلة للاحتراق أكثر مما يعكس أثر السجائر الإلكترونية بحد ذاتها.
السكري: لا علاقة واضحة لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية فقط
عند النظر تحديدًا إلى السكري، تبدو النتائج أكثر وضوحًا من باقي المؤشرات. لم يجد الباحثون ارتباطًا مهمًا بين استخدام السجائر الإلكترونية فقط والإصابة بالسكري، سواء في الدراسات المقطعية أو في الدراسة الطولية الوحيدة التي تابعت المشاركين مع مرور الوقت.
في التحليل المقطعي، كان رقم الارتباط لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية فقط قريبًا جدًا من 1، وهو ما يعني عمليًا أن الفرق بينهم وبين غير المستخدمين كان ضعيفًا وغير حاسم. كما أن مجال الثقة الإحصائي شمل الرقم 1، وهذا يعني أن النتيجة لا يمكن اعتبارها دليلًا قويًا على وجود ارتباط حقيقي.
أما لدى المستخدمين السابقين للسجائر الإلكترونية، فلم تظهر أيضًا علاقة واضحة مع السكري. في المقابل، سُجل ارتباط لدى المستخدمين المزدوجين، لكن هذا الارتباط جاء مصحوبًا بدرجة عالية من التباين بين الدراسات، ما يجعل تفسيره أكثر تعقيدًا.
الأهم من ذلك أن الدراسة الطولية الوحيدة التي تضمنها التحليل، وهي دراسة تابعت المشاركين عبر الزمن، لم تجد ارتباطًا بين الاستخدام الحصري للسجائر الإلكترونية وظهور السكري من النوع الثاني لاحقًا. وهذا النوع من الدراسات أكثر فائدة من الدراسات المقطعية، لأنه يأخذ عامل الزمن في الحسبان، ويساعد على فهم ما إذا كان التعرض قد سبق المرض أم لا.
لكن حتى هذه النتيجة يجب ألا تُفهم على أنها دليل نهائي على غياب أي خطر. فالدراسة الطولية واحدة فقط، وفترة المتابعة محدودة، وعدد مستخدمي السجائر الإلكترونية فقط أقل بكثير من عدد المدخنين التقليديين. لذلك تبقى الحاجة قائمة لدراسات أطول وأكثر دقة قبل الوصول إلى حكم نهائي.
مقدمات السكري ومقاومة الإنسولين: إشارات موجودة لكنها ضعيفة

رغم أن نتائج السكري كانت مطمئنة نسبيًا، فإن الصورة كانت أقل وضوحًا عند الحديث عن مقدمات السكري ومقاومة الإنسولين.
بالنسبة إلى مقدمات السكري، وجد التحليل بعض الإشارات إلى ارتفاع احتمالات الإصابة لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية فقط، وكذلك لدى المستخدمين المزدوجين والمستخدمين السابقين. لكن المشكلة الأساسية هنا أن نتائج الدراسات كانت شديدة التباين. بعض الدراسات وجدت ارتباطًا ضعيفًا جدًا، بينما أظهرت دراسات أخرى ارتباطًا أعلى بكثير.
هذا التباين الكبير يجعل النتيجة غير مستقرة. فعندما تختلف الدراسات فيما بينها بهذا الشكل، يصبح من الصعب القول إن هناك نتيجة واحدة واضحة يمكن الاعتماد عليها. قد تكون الاختلافات ناتجة عن طبيعة المشاركين، أو طريقة تعريف استخدام السجائر الإلكترونية، أو طريقة تشخيص مقدمات السكري، أو عوامل صحية وسلوكية أخرى لم يتم ضبطها بالشكل الكافي.
الأمر نفسه ينطبق على مقاومة الإنسولين. فقد أشار التحليل إلى احتمال وجود ارتباط لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية فقط، لكن هذه النتيجة اعتمدت على دراستين فقط. وهذا عدد محدود جدًا لا يسمح ببناء استنتاج قوي، خصوصًا أن مقاومة الإنسولين يمكن أن تتأثر بعوامل كثيرة مثل الوزن، والنظام الغذائي، والنشاط البدني، والتاريخ العائلي، والتدخين السابق.
لهذا السبب، فإن الإشارة إلى مقدمات السكري ومقاومة الإنسولين لا ينبغي تجاهلها، لكنها لا تكفي للقول إن السجائر الإلكترونية تسبب هذه الحالات. هي أقرب إلى إشارة بحثية تحتاج إلى متابعة، لا إلى دليل قاطع يمكن أن تُبنى عليه توصيات حاسمة.
لماذا لا تكفي هذه النتائج للحسم؟
الحدّ الأهم في هذه الدراسة هو أن معظم الأدلة المتاحة جاءت من دراسات مقطعية. هذا النوع من الدراسات يمكنه رصد وجود ارتباط بين عاملين في لحظة معينة، لكنه لا يستطيع تحديد أيهما جاء أولًا. لذلك لا يمكن من خلاله معرفة ما إذا كان استخدام السجائر الإلكترونية سبق ظهور المشكلة الأيضية، أم أن بعض الأشخاص الذين لديهم عوامل خطر صحية انتقلوا إلى السجائر الإلكترونية بعد ترك التدخين التقليدي.
هناك أيضًا مشكلة الاعتماد على التصريح الذاتي. فكثير من الدراسات تعتمد على ما يقوله المشاركون عن استخدامهم للسجائر الإلكترونية أو السجائر التقليدية، دون التحقق البيولوجي من ذلك عبر مؤشرات مخبرية. وهذا قد يؤدي إلى أخطاء في التصنيف، خاصة عند التفريق بين مستخدم حصري للسجائر الإلكترونية ومستخدم مزدوج لا يزال يدخن أحيانًا.
كما أن الدراسات لم تكن متجانسة بما يكفي. بعض الدراسات استخدمت تعريفات مختلفة لمقدمات السكري أو مقاومة الإنسولين، وبعضها اعتمد على قواعد بيانات سكانية، بينما ركزت أخرى على عينات مختلفة. هذا التباين يقلل من قوة الاستنتاجات النهائية.
ولهذا السبب صنّف الباحثون موثوقية الأدلة العامة بأنها “منخفضة جدًا” وفق نظام GRADE، وهو نظام يُستخدم لتقييم قوة الأدلة العلمية. وبعبارة أبسط: الدراسة تقدم معطيات مهمة، لكنها لا تقدم حكمًا نهائيًا.
- كما هو الحال في جميع الدراسات العلمية، يعاني هذا البحث الجديد من عدة قيود ينبغي تسليط الضوء عليها لفهم استنتاجاته بشكل أفضل.
- لا يسمح تصميم الدراسة المقطعي بتحديد السببية. كما أن تباين النتائج بين الدراسات المشمولة يجعل استنتاجاتها غير موثوقة. ومع ذلك، يعاني معيار مقاومة الأنسولين من نقص البيانات، حيث لم تتضمن التحليلات التلوية للباحثين سوى دراستين.
- يقر الباحثون أنفسهم بهذه القيود، مشيرين إلى أن موثوقية نتائجهم مصنفة بأنها “منخفضة جدًا” وفقًا لنظام تصنيف GRADE.
ماذا تعني هذه النتائج بالنسبة للمدخنين؟
وهذا يعزز فكرة أن المستخدم المزدوج لا يحصل بالضرورة على الفائدة الكاملة من الانتقال إلى بدائل أقل ضررًا إذا بقي معرضًا لدخان السجائر التقليدية. فالاستمرار في التدخين، حتى مع استخدام السجائر الإلكترونية، قد يبقي جزءًا كبيرًا من المخاطر الصحية قائمًا.
في المقابل، لا تعني هذه النتائج أن السجائر الإلكترونية خالية من أي تأثير صحي، أو أنها مناسبة للجميع. لكنها تذكر بأن تقييم المخاطر يجب أن يكون دقيقًا، وأن نفرق بين من يستخدم السجائر الإلكترونية فقط، ومن يجمع بينها وبين التدخين، ومن لم يستخدم أيًا منهما.
بالنسبة للباحثين وصناع القرار، تؤكد الدراسة ضرورة تصميم أبحاث مستقبلية أطول وأكثر دقة، مع قياس موضوعي لاستخدام منتجات النيكوتين، وفصل واضح بين أنماط الاستخدام المختلفة. فبدون هذا التفريق، قد تتحول النتائج إلى رسائل عامة مضللة لا تخدم الصحة العامة.
🧠 الخلاصة
القراءة الأكثر دقة لهذه الدراسة هي أنها مطمئنة فيما يخص السكري لدى مستخدمي السجائر الإلكترونية فقط. وما زالت الحاجة قائمة إلى دراسات مستقبلية طويلة ومستقلة تميز بوضوح بين مستخدمي السجائر الإلكترونية فقط، والمستخدمين المزدوجين، والمدخنين التقليديين.
حتى ذلك الحين، يبقى الاستنتاج الأهم: لا توجد حتى الآن علاقة مثبتة بين الفيب والسكري.
المصادر :
1 Adebisi, Y.A., Campagna, D., Ceriello, A. et al. Association between electronic cigarette use and prediabetes, diabetes, and insulin resistance: a systematic review and meta-analysis. Intern Emerg Med (2026). https://doi.org/10.1007/s11739-026-04430-x





