بعد عام من دخول حظر أجهزة الفيب ذات الاستخدام الواحد حيّز التنفيذ في المملكة المتحدة، بدأت تظهر مؤشرات تطرح سؤالًا حساسًا على صانعي السياسات: هل نجح الحظر فعلًا في حماية الصحة العامة، أم أنه دفع جزءًا من المستخدمين نحو خيارات أكثر ضررًا؟
كان الهدف المعلن من الحظر واضحًا: الحد من انتشار أجهزة الفيب ذات الاستخدام الواحد، خصوصًا بين الشباب، وتقليل النفايات الإلكترونية الناتجة عنها. لكن كما حذّر خبراء الحدّ من أضرار التبغ منذ البداية، فإن تقييد الوصول إلى بدائل أقل ضررًا من السجائر قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج غير مقصودة.
أغلب المستخدمين انتقلوا إلى أجهزة فيب قابلة لإعادة الاستخدام
بحسب استطلاع وطني أجرته شركة Opinium لصالح شركة ELFBAR وشمل 6000 بالغ في المملكة المتحدة، فإن غالبية مستخدمي أجهزة الفيب ذات الاستخدام الواحد – الديسبوزبل تكيفوا مع الواقع الجديد بعد الحظر.
تشير النتائج إلى أن 72% من مستخدمي الفيب اليوميين الذين كانوا يعتمدون سابقًا على أجهزة الاستخدام الواحد انتقلوا إلى أجهزة فيب قابلة لإعادة الاستخدام أو إعادة التعبئة. كما أن نحو أربعة من كل خمسة مستخدمين باتوا يشترون بودات بديلة أو عبوات سائل إلكتروني بدل شراء جهاز جديد بالكامل في كل مرة.
من هذه الزاوية، قد يبدو الحظر ناجحًا جزئيًا، لأنه دفع عددًا كبيرًا من المستخدمين نحو منتجات أقل إنتاجًا للنفايات وأكثر قابلية للاستخدام الطويل.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة.
عودة مقلقة إلى التدخين

المؤشر الأكثر إثارة للقلق في الاستطلاع هو أن واحدًا من كل ستة ممن كانوا يستخدمون أجهزة الفيب ذات الاستخدام الواحد قالوا إنهم عادوا إلى التدخين أو زادوا استهلاكهم للسجائر بعد الحظر.
كما أظهر الاستطلاع نفسه أن نسبة من قالوا إنهم يدخنون بانتظام داخل عينة البحث ارتفعت من 14% في ديسمبر 2024 إلى 16% في مايو 2026.
هذه الأرقام لا تكفي وحدها لإثبات أن الحظر هو السبب المباشر في ارتفاع التدخين. فالترابط الزمني لا يعني دائمًا وجود علاقة سببية. كما أن الاستطلاع صادر عن شركة عاملة في قطاع الفيب، ما يستدعي قراءة نتائجه بحذر.
مع ذلك، فإن هذه النتائج تتوافق مع مخاوف سابقة عبّر عنها مختصون في الحد من أضرار التبغ: عندما يصبح الوصول إلى بدائل النيكوتين الأقل ضررًا أكثر صعوبة أو أقل جاذبية، قد يعود بعض المستخدمين إلى الخيار الأسوأ صحيًا، أي السجائر القابلة للاحتراق.
دراسة بريطانية حذّرت من هذا السيناريو
هذا الاحتمال لم يظهر فجأة بعد الحظر. فقد نشرت جامعة بريستول دراسة نوعية في مجلة PLOS Global Public Health استطلعت آراء شباب بالغين يستخدمون أجهزة الفيب ذات الاستخدام الواحد.

وتُظهر محاور الدراسة أن الباحثين لم يركزوا فقط على أسباب استخدام أجهزة الفيب ذات الاستخدام الواحد، بل درسوا أيضًا التأثيرات الشخصية للحظر، واحتمالات الانتقال إلى أجهزة فيب أخرى، والعودة إلى التدخين، ونمو السوق غير القانونية.
وأظهرت الدراسة أن كثيرين كانوا ينوون الانتقال إلى أجهزة قابلة لإعادة الاستخدام بعد الحظر، بينما قال آخرون إنهم قد يتوقفون عن الفيب. لكن بعض المشاركين، خصوصًا من كانوا يستخدمون الفيب والسجائر معًا، قالوا إنهم قد يدخنون أكثر أو يعودون إلى السجائر بدل الانتقال إلى بدائل أخرى.
الدراسة لا تقيس حجم الظاهرة على مستوى السكان، لأنها دراسة نوعية محدودة، لكنها تكشف نقطة مهمة: قرارات الحظر لا تغيّر فقط نوع المنتج الذي يشتريه المستخدم، بل قد تغيّر سلوكه بالكامل.
لماذا كانت أجهزة الاستخدام الواحد مهمة لبعض المدخنين؟
رغم الانتقادات الموجهة إليها، لعبت أجهزة الفيب ذات الاستخدام الواحد – الديسبوزبل دورًا مهمًا لدى بعض المدخنين البالغين الذين أرادوا الابتعاد عن السجائر.
السبب بسيط: هذه الأجهزة لا تتطلب معرفة تقنية، ولا تحتاج إلى صيانة، ولا تتطلب تعبئة سائل أو تغيير كويلات. بالنسبة للمدخن الذي يريد تجربة بديل أقل ضررًا دون التزام كبير، كانت أجهزة الاستخدام الواحد خيارًا سهلًا وسريعًا ومنخفض الحاجز.
هذا لا يعني تجاهل مشاكلها البيئية أو خطر استخدامها بين غير المدخنين والشباب. لكنه يعني أن التعامل معها كفئة يجب القضاء عليها بالكامل قد يؤدي إلى فقدان أداة انتقالية كانت مفيدة لبعض المدخنين.
المشكلة الأكبر: سوء فهم مخاطر الفيب مقارنة بالتدخين

من أخطر النتائج التي تظهر في السنوات الأخيرة أن كثيرًا من المدخنين لم يعودوا يميزون بين مخاطر الفيب ومخاطر السجائر.
تؤكد المراجعات الصحية البريطانية أن الفيب ليس خاليًا من المخاطر، ولا ينبغي لغير المدخنين استخدامه، لكنه يبقى أقل ضررًا بكثير من التدخين لأنه لا يعتمد على احتراق التبغ، وهو المصدر الرئيسي للقطران وأول أكسيد الكربون والعديد من المواد السامة المرتبطة بأمراض التدخين.
مع ذلك، تشير بيانات حديثة إلى أن نسبة كبيرة من المدخنين في بريطانيا يعتقدون أن الفيب يساوي التدخين ضررًا أو أنه أكثر ضررًا منه. هذه الفكرة الخاطئة قد تكون من أخطر العقبات أمام الإقلاع عن السجائر.
فعندما يعتقد المدخن أن الفيب لا يقدّم فرقًا حقيقيًا من حيث تقليل الضرر، تقل احتمالية انتقاله إليه، حتى لو كان ذلك يساعده على الابتعاد عن السجائر والإقلاع عن التدخين.
النكهات ليست تفصيلًا ثانويًا
النكهات تبقى واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في سياسات الفيب. يرى منتقدوها أنها تجعل المنتجات أكثر جاذبية للشباب، بينما يرى كثير من المدخنين السابقين أنها ساعدتهم على الابتعاد عن طعم التبغ والسجائر.
بحسب استطلاع ELFBAR، تبقى نكهات الفواكه والنكهات غير التبغية من أكثر الخيارات استخدامًا بين البالغين الذين يستخدمون الفيب. كما قال عدد كبير من المستخدمين إن تنوع النكهات يساعدهم على عدم العودة إلى التدخين.
هنا أيضًا يجب التمييز بين حماية الشباب من التسويق الجاذب وبين منع البالغين المدخنين من الوصول إلى منتجات قد تساعدهم على ترك السجائر. التنظيم الذكي لا يعني فتح السوق بلا قيود، لكنه لا يعني أيضًا إزالة كل العناصر التي تجعل البديل أقل ضررًا مقبولًا للمدخنين.
وتُظهر التجربة الهولندية أن هذه النتيجة ليست خاصة ببريطانيا وحدها، بل قد تتكرر عندما تُفرض قيود واسعة من دون توفير بدائل قانونية جذابة للمدخنين البالغين.
تقارير واستطلاعات بين المستخدمين الهولنديين تشير إلى أن جزءًا من المستهلكين لم يتوقفوا عن استخدام النكهات، بل غيّروا طريقة الحصول عليها: الشراء من دول مجاورة، الطلب من مواقع خارجية، أو اللجوء إلى قنوات غير رسمية.
كما أفاد بعض المستخدمين بأنهم عادوا إلى التدخين بعد صعوبة الحصول على النكهات التي كانوا يستخدمونها للابتعاد عن السجائر.
السوق غير القانونية: الخطر الذي يتجاهله الحظر
واحدة من النتائج المتوقعة لأي حظر واسع هي ظهور سوق موازية. في بريطانيا، أشار استطلاع ELFBAR إلى أن نحو 30% من المشاركين كانوا على علم بوجود مبيعات غير قانونية لأجهزة الفيب في منطقتهم، بينما قال نحو ربع مستخدمي الفيب الحاليين إنهم اشتروا منتجات غير قانونية في مرحلة ما.
هذه ليست مشكلة بسيطة. فالمنتجات القانونية تخضع لمعايير تعبئة وتركيز نيكوتين ومكونات وحدود معينة، بينما لا توفر المنتجات غير القانونية الضمانات نفسها. ومع توسع السوق السوداء، تصبح حماية المستهلك أصعب، وتصبح الرقابة على البيع للقاصرين أكثر تعقيدًا.
التاريخ يوضح أن الحظر الكامل لا يزيل الطلب دائمًا. في حالات كثيرة، يمنح السوق غير القانونية فرصة للنمو.
ماذا عن البيئة؟
لكن السؤال هو: هل يكون الحظر الكامل هو الحل الأفضل دائمًا؟
يرى مؤيدو الحدّ من أضرار التبغ أن تحسين أنظمة إعادة التدوير، وإلزام نقاط البيع بجمع الأجهزة المستعملة، وفرض معايير تصميم أكثر قابلية لإعادة الاستخدام، قد يكون أكثر فعالية من دفع المستخدمين نحو سوق غير قانونية أو نحو السجائر.
المشكلة البيئية يجب أن تُعالج بجدية، لكن من دون التضحية بالهدف الصحي الأكبر: تقليل التدخين.
الخلاصة: الهدف يجب أن يكون تقليل التدخين لا القضاء على الفيب
النقاش حول أجهزة الفيب ذات الاستخدام الواحد يكشف خطأً شائعًا في بعض السياسات الصحية: التركيز على منع فئة معينة من المنتجات بدل قياس الأثر الحقيقي على معدلات التدخين.
إذا كان الحظر يؤدي إلى انتقال أغلب المستخدمين إلى أجهزة فيب قابلة لإعادة الاستخدام أو إعادة التعبئة، فهذه نتيجة إيجابية من الناحية البيئية والتنظيمية. لكن إذا كان جزء من المستخدمين يعود إلى السجائر أو يتجه إلى منتجات غير قانونية، فهذه نتيجة لا يمكن تجاهلها.
الفيب ليس منتجًا موجهًا لغير المدخنين، ولا يجب أن يكون بوابة لاستخدام النيكوتين بين الشباب. لكنه بالنسبة لكثير من المدخنين البالغين يمثل بديلًا أقل ضررًا من السجائر.
لذلك، يجب أن تُبنى السياسات على سؤال واحد واضح: هل تساعد هذه الإجراءات على خفض التدخين، أم أنها تجعل السجائر الخيار الأسهل والأكثر توفرًا؟
الهدف النهائي للصحة العامة لا يجب أن يكون القضاء على منتجات الفيب بحد ذاتها. الهدف يجب أن يكون القضاء على التدخين. وأي سياسة قد تعرقل هذا الهدف تستحق مراجعة دقيقة.





