خمس سنوات من الانتظار، وتقنية التحقق من العمر المدمجة، وانقسامات داخلية داخل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، قبل أن تتحول قضية شركة “Glas” المصنعة في كاليفورنيا إلى واحدة من أكثر ملفات السجائر الإلكترونية إثارةً للجدل في الولايات المتحدة. فبعد أشهر من تعطيل النكهات المنكهة رغم التوصيات العلمية الإيجابية، انتهى الأمر بمنح تراخيص لبعضها، في خطوة قد تعكس تحولًا مهمًا في السياسة الأمريكية تجاه السجائر الإلكترونية المنكهة.
الوصول إلى طريق مسدود
يستمر تاريخ السجائر الإلكترونية المضطرب في الولايات المتحدة. فمنذ 9 سبتمبر/أيلول 2020، أصبح لزاماً على جميع منتجات السجائر الإلكترونية المباعة في الولايات المتحدة الحصول على ترخيص من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). هذا الإجراء، الذي يهدف إلى تنظيم السوق وتعزيز “حماية الشباب”، لم يُطبّق بشكل كامل أو صارم، مما أدى إلى فجوة واضحة بين الإطار القانوني والواقع الفعلي في السوق. ودليلاً على ذلك، أنه اعتباراً من 28 أبريل/نيسان 2026، لم يكن هناك سوى 41 منتجاً مرخصاً من منتجات السجائر الإلكترونية في البلاد، جميعها بنكهة التبغ أو المنثول، في حين تعرض المتاجر، سواء الإلكترونية أو التقليدية، مئات المنتجات بنكهات متنوعة.
قبل أسابيع، وتحديدًا في 18 أبريل/نيسان 2026، ذكّر تقريرٌ في صحيفة The Wall Street Journal بالانقسامات العميقة التي تُسببها السجائر الإلكترونية داخل أعلى هيئات صنع القرار.
ويتجلى هذا الانقسام بوضوح في حالة شركة Glas المُصنِّعة. ففي عام 2021، قدّمت الشركة طلبًا للحصول على ترخيص تسويق نظامها المُزوّد بكبسولات “Glas جي 2″، وهو جهاز مُصمَّم خصيصًا للسوق الأمريكية، ومجهّز بنظام للتحقق من العمر عبر تطبيق جوال. ويعكس هذا المسار طول وتعقيد إجراءات الترخيص (PMTA)، التي قد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى قرار نهائي.
وفي مارس/آذار 2026، أي بعد ما يقرب من خمس سنوات، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أخيرًا على الجهاز، مسجّلةً بذلك أول ترخيص لمنتج تبخير إلكتروني لم تكن لمُصنِّعه أي صلة سابقة بصناعة التبغ. ومع ذلك، فبينما قدّمت Glas طلبًا للحصول على ترخيص نظامها، فقد قدّمت أيضًا طلبات للحصول على تراخيص لأربع خراطيش بنكهات مختلفة: التبغ، والمنثول، والتوت الأزرق، والمانجو. لكن في البداية، لم تتم الموافقة إلا على خرطوشة التبغ.
تعطيل رغم التوصيات العلمية
بحسب The Wall Street Journal، التي اطلعت على وثائق داخلية لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وافق المراجعون العلميون في الإدارة على جميع خراطيش Glas. إلا أن مذكرة داخلية صادرة عن سارة برينر، نائبة مدير الإدارة، أوصت بعدم منح أي ترخيص للخراطيش المنكهة، ما أدى فعليًا إلى تعطيل الموافقة عليها لعدة أسابيع.
إضافةً إلى ذلك، أشار تقرير الصحيفة إلى وجود ضغوط داخلية متباينة داخل مؤسسات الحكم. ففي الوقت الذي نقل فيه التقرير عن مسؤولين وجود توجهات لدعم إتاحة السجائر الإلكترونية المنكهة للبالغين، حاول مارتي مكاري، مفوض إدارة الغذاء والدواء، الدفاع عن موقف أكثر تحفظًا. ويأتي ذلك في سياق تصريحات رسمية، من بينها ما نُسب إلى المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، حول الرغبة في “توسيع نطاق توفر السجائر الإلكترونية المنكهة للبالغين”، إضافة إلى تصريحات لوزير الصحة Robert F. Kennedy Jr. أشار فيها إلى سعيه لطرح هذه المنتجات في السوق.
لكن هذا الوضع لم يستمر طويلًا. ففي مايو/أيار 2026، أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية منح تراخيص رسمية لبعض خراطيش Glas المنكهة، بما في ذلك نكهات فاكهية مثل المانجو والتوت الأزرق، في خطوة وُصفت بأنها أول موافقة أمريكية فعلية على نكهات فاكهية ضمن نظام PMTA.
ورغم هذا التحول، لا تزال قضية السجائر الإلكترونية المنكهة تؤجج التوترات بين إدارة الغذاء والدواء والبيت الأبيض، خصوصًا مع استمرار الجدل حول كيفية الموازنة بين حماية الشباب وإتاحة بدائل أقل ضررًا للمدخنين البالغين.
وفي هذا السياق، قال ريتشارد بور، السيناتور السابق عن ولاية كارولاينا الشمالية والذي يرأس الآن ائتلافًا مؤيدًا للتدخين الإلكتروني: “بصراحة، هذا التعطيل من صنع مارتي مكاري. لقد وصلنا إلى طريق مسدود”.
تناقض تنظيمي يطرح تساؤلات أوسع
هذا التناقض يكشف خللاً بنيويًا في التنظيم الأمريكي: إذ خضعت منتجات Glas لسنوات طويلة من المراجعة العلمية والإدارية قبل حصولها على الترخيص، في حين تستمر المنتجات غير المرخصة، القادمة في كثير من الأحيان من الخارج، في الانتشار على نطاق واسع داخل السوق دون رقابة فعالة.
ولا يتعلق الأمر فقط بخيارات النكهات، بل بطبيعة النظام التنظيمي نفسه، الذي يبدو عاجزًا عن تحقيق التوازن بين هدفين متعارضين: حماية الشباب من جهة، وضمان توفر بدائل أقل ضررًا للمدخنين البالغين من جهة أخرى.
كما أن قضية Glas تطرح سؤالًا إضافيًا حول طبيعة القرارات التنظيمية داخل الولايات المتحدة: هل تستند بالكامل إلى التقييمات العلمية، أم أنها أصبحت تتأثر أيضًا بالتوازنات السياسية والضغوط الداخلية داخل مؤسسات الحكم؟
🧠 الخلاصة
وبينما يرى البعض أن هذه الموافقات قد تمثل بداية تحول في سياسة إدارة الغذاء والدواء تجاه النكهات، يعتبر آخرون أنها مجرد استثناء محدود لن يغيّر كثيرًا من القيود الصارمة المفروضة على السوق الأمريكية.





