قُدّمت قصة كايلي بودا على أنها تحذير جديد من مخاطر السجائر الإلكترونية، وسارت على النمط المعتاد للأخبار المثيرة. بدأت القصة بتقرير صحفي في إحدى الصحف، ثم أُعيد تداولها لأكثر من أربعة أشهر، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى ما يبدو دليلًا قاطعًا على خطر يهدد الصحة العامة.
في الواقع، لا تكشف هذه القصة عن مخاطر السجائر الإلكترونية بقدر ما تكشف كيف يمكن لقصة تقوم على التأثير العاطفي أن تتحول إلى ضجة إعلامية.
أربعة أشهر من إعادة النشر والتضخيم

في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، نشرت وكالة أنباء جنوب غرب إنجلترا (SWNS)، وهي من أبرز الوكالات المستقلة في المملكة المتحدة، تقريرًا يروي قصة كايلي بودا. شُخّصت الشابة، البالغة من العمر 21 عامًا، بسرطان الرئة، وربطت حالتها باستخدام السجائر الإلكترونية. استوفت القصة جميع عناصر الخبر الذي يجذب الانتباه: شابة صغيرة في السن، مرض خطير، جانب عاطفي، وخطر واضح يمكن تحميله المسؤولية.
لم يمض وقت طويل حتى بدأت القصة تنتشر، وتلقّفتها وسائل الإعلام. ففي اليوم نفسه، نشرت صحيفة “ذا صن” عنوانًا بارزًا جاء فيه: “توقفوا الآن: امرأة تُشخّص بسرطان الرئة في سن 21 بعد ست سنوات من استخدام السجائر الإلكترونية، وتناشد الآخرين الإقلاع عنها”. وبعد أيام، نشرت “تايلا” عنوانًا مشابهًا: “امرأة تُشخّص بالسرطان في سن 21 بعد استخدامها السجائر الإلكترونية مرة واحدة أسبوعيًا”.
في 9 يناير/كانون الثاني 2026، خرجت القصة من إطار الصحافة الترفيهية إلى مجال الصحة العامة، بعدما أُعيد نشر مقال “تايلا” على موقع تحالف مكافحة التبغ في جنوب شرق آسيا (SEATCA). ورغم أن القصة، بعد نحو ثلاثة أسابيع من نشرها لأول مرة، لم تكن قد حظيت إلا بتغطية محدودة، فإن نشرها على موقع جهة معنية بالصحة العامة منحها قدرًا إضافيًا من المصداقية.
بعد ذلك، خفّ الاهتمام بالقصة لفترة قصيرة، وبدا وكأنها اختفت. لكن في 19 أبريل/نيسان 2026، أعاد موقع LADbible نشرها بعنوان: “امرأة بدأت استخدام السجائر الإلكترونية في سن الخامسة عشرة، ولم يتبق لها سوى أشهر معدودة”. وسرعان ما عادت القصة إلى الانتشار. فقد نشرت “ذا صن” مجددًا مقالًا بعنوان: “رعب السجائر الإلكترونية: امرأة تبلغ 22 عامًا، لم يتبق لها سوى 18 شهرًا للعيش بعد أن بدأت استخدام السجائر الإلكترونية منذ سن الخامسة عشرة، تحذر قائلة: سيلحق بك الضرر لا محالة”.
في 20 أبريل/نيسان 2026، انتقلت القصة إلى الولايات المتحدة، حيث نشرت “نيويورك بوست” عنوانًا جاء فيه: “امرأة بريطانية تُحمّل السجائر الإلكترونية مسؤولية إصابتها بسرطان الرئة في سن الثانية والعشرين، ولم يتبق لها سوى أشهر معدودة”. ثم تناولتها قناة “فوكس نيوز”، قبل أن تصل إلى جمهور أوسع عبر وسائل إعلام أخرى، من بينها “تايمز أوف إنديا”.
وفي 26 أبريل/نيسان 2026، نشرت مجلة “بيبول” تقريرًا جاء فيه: “بدأت شابة تبلغ من العمر 22 عامًا السجائر الإلكترونية في سن المراهقة، والآن لم يتبق لها سوى أشهر معدودة بعد تشخيص إصابتها بالسرطان”.
مرّ أكثر من أربعة أشهر منذ نشر القصة لأول مرة، وخلال هذه الفترة، سارت معظم التغطيات الإعلامية في الاتجاه نفسه:
- تحويل حالة فردية إلى استنتاج عام، رغم أن حالة واحدة لا تكفي لإثبات علاقة على مستوى أوسع؛
- الخلط بين الارتباط والسببية، إذ إن استخدام السجائر الإلكترونية لا يعني بالضرورة أنها السبب المباشر للمرض؛
- إغفال معطيات أساسية، مثل أن كايلي بودا كانت تدخن سابقًا، وأن الأطباء لم يتمكنوا من تحديد سبب واضح لإصابتها بالسرطان (كما ورد في بعض التقارير، منها “فوكس نيوز” و”ذا صن“).
الأهم في هذه القصة أنه في جميع التقارير المتداولة، لا يظهر أي تأكيد طبي مباشر يربط بين حالة كايلي بودا واستخدام السجائر الإلكترونية، بل إن هذا الربط يستند أساسًا إلى تصريحها الشخصي، في حين يؤكد الأطباء أنهم لم يتمكنوا من تحديد سبب واضح للاصابة بالمرض.
وكالة أنباء تُراهن على الإثارة الإعلامية

هذا النمط من التغطية ليس صدفة. فوكالة “ساوث ويست نيوز سيرفيس” (SWNS)، التي نشرت الخبر في البداية، تعتمد على إنتاج محتوى يجذب الانتباه ويحقق انتشارًا واسعًا. ويظهر ذلك بوضوح في التعريف الذي تقدمه عن نفسها، حيث تشير إلى أنها “تكتشف وتنتج وتوزع محتوى إخباريًا أصليًا يحقق تفاعلًا مرتفعًا ويزيد من عائدات المؤسسات الإعلامية”.
وتكفي نظرة سريعة على طبيعة المحتوى الذي تنتجه الوكالة لفهم هذا التوجه. فهي تميل إلى نشر قصص تعتمد على الإثارة والعاطفة و العناوين اللافتة، مع التركيز على ما يجذب انتباه الجمهور ويحقق تفاعلًا سريعًا. ويغلب على هذا النوع من المحتوى الطابع القصصي المؤثر أو الغريب، ما يجعله قابلاً للانتشار وإعادة النشر عبر منصات متعددة، بغض النظر عن عمق المعالجة أو دقتها.
حالة كايلي، رغم تأثيرها، لا تكفي لإثبات أن السجائر الإلكترونية تسبب السرطان. لكنها تكشف بوضوح كيف يمكن لقصة إنسانية أن تتحول، مع الوقت وتكرار النشر، إلى ما يبدو دليلًا.
كيف تنتشر القصة … ولماذا تبدو مقنعة؟
لا ينتشر هذا النوع من القصص صدفة، بل عبر آلية واضحة. تبدأ القصة من مصدر واحد، ثم تُعاد صياغتها أو نسخها عبر مواقع متعددة، قبل أن تلتقطها منصات ذات جمهور واسع. ومع كل إعادة نشر، تُقدَّم بزاوية أكثر إثارة أو بعنوان أكثر حدة، بينما تدفع بها خوارزميات المنصات الرقمية إلى الواجهة لأنها تحقق تفاعلًا أكبر. ومع تكرار ظهور القصة نفسها، يبدأ القارئ في التعامل معها على أنها حقيقة ثابتة، حتى في غياب دليل علمي واضح، وهو ما يعكس تأثير التكرار في تشكيل القناعة.
في المقابل، يختلف منطق الإعلام عن منطق العلم. فالإعلام يبحث عن قصة مؤثرة وسريعة الانتشار، بينما يقوم العلم على تراكم الأدلة والدراسات على المدى الطويل. لذلك، لا يمكن لحالة فردية، مهما كانت لافتة، أن تحل محل أبحاث واسعة تعتمد على بيانات وتحليل منهجي. وعندما يُخلط بين هذين المنطقين، تتحول القصص الإنسانية إلى استنتاجات عامة تتجاوز ما تسمح به الأدلة.
🧠 الخلاصة
ما حدث في هذه الحالة لا يقدّم معطيات جديدة حول مخاطر السجائر الإلكترونية، بقدر ما يكشف آلية متكررة في التغطية الإعلامية، حيث تتحول القصص الإنسانية، مع الوقت وإعادة النشر، إلى ما يشبه الحقائق الثابتة.
فرنسا: تقرير وكالة سلامة الأغذية والبيئة (ANSES) حول مخاطر السجائر الإلكترونية





