كلما ظهرت دراسة جديدة تربط السجائر الإلكترونية بمشكلة صحية، يصبح الطريق إلى اثارة الرعب لدى الناس قصيراً للغاية. يكفي العثور على ارتباط إحصائي بسيط بين استخدام الفيب وعرض صحي ما، حتى يتحول الارتباط سريعاً إلى اتهام، ثم يتحول الاتهام في التداول الإعلامي إلى علاقة سببية شبه محسومة.
هذا تقريباً ما قد حدث مع دراسة حديثة أجراها باحثون في منطقة جازان بالمملكة العربية السعودية، بهدف فحص العلاقة بين استخدام السجائر الإلكترونية وجودة النوم لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً.
توصل الباحثون إلى أن مستخدمي السجائر الإلكترونية كانوا أكثر إبلاغاً عن سوء جودة النوم مقارنة بغير المستخدمين. وخلصوا إلى أن الفيب قد يكون عاملاً مهماً مرتبطاً بالصحة والنوم لدى هذه الفئة.
للوهلة الأولى، تبدو النتيجة مقلقة: شباب يستخدمون السجائر الإلكترونية، ونسبة أكبر منهم تعاني من نوم سيئ. لكن عند النظر إلى الطريقة التي جُمعت بها البيانات، والمتغيرات التي قِيست، والأسئلة التي بقيت بلا إجابة، يصبح من المشروع التساؤل: هل كشفت الدراسة فعلاً عن أثر محتمل للفيب، أم منحت ارتباطاً استبيانياً محدوداً حجماً أكبر مما يحتمل؟
استبيان عن الفيب والنوم… هكذا أُجريت الدراسة
أُجريت الدراسة على 423 شاباً وشابة من منطقة جازان، بمتوسط عمري بلغ نحو 21 عاماً. واعتمد الباحثون على استبيان ذاتي جمع معلومات عن استخدام السجائر الإلكترونية والسجائر التقليدية، إلى جانب بعض البيانات الديموغرافية والاجتماعية والصحية.
أما جودة النوم، فقِيست باستخدام مؤشر بيتسبرغ لجودة النوم، المعروف اختصاراً باسم PSQI. وهو استبيان شائع يطلب من المشاركين تقييم جوانب مختلفة من نومهم خلال الشهر السابق، مثل مدة النوم، والوقت اللازم للاستغراق فيه، والاستيقاظ ليلاً، والشعور بالتعب أثناء النهار.

يُصنّف الشخص ضمن فئة أصحاب النوم السيئ عندما تتجاوز نتيجته خمس نقاط على هذا المؤشر. وبحسب الدراسة، وقع 51.3% من جميع المشاركين ضمن هذه الفئة، أي إن أكثر من نصف العينة تقريباً أبلغوا عن جودة نوم سيئة.
وعند تقسيم المشاركين بحسب استخدام السجائر الإلكترونية، بلغت نسبة أصحاب النوم السيئ 64% بين مستخدمي الفيب، مقابل 46.6% بين غير المستخدمين. وكان الفارق ذا دلالة إحصائية.
لم يتوقف الباحثون عند المقارنة المباشرة، بل استخدموا نموذج انحدار لوجستي متعدد المتغيرات لمحاولة استبعاد أثر بعض العوامل الأخرى. وبعد هذا التعديل، بقي استخدام السجائر الإلكترونية مرتبطاً بزيادة أرجحية سوء النوم، بمعامل أرجحية بلغ 2.86 وفاصل ثقة تراوح بين 1.31 و6.24.
في المقابل، لم يظهر استخدام السجائر التقليدية ارتباطاً مستقلاً ذا دلالة إحصائية بسوء النوم بعد التعديل. وانتهى الباحثون إلى أن استخدام السجائر الإلكترونية قد يمثل عاملاً مهماً مرتبطاً بصحة النوم، مع تأكيد الحاجة إلى دراسات طولية لتوضيح اتجاه العلاقة.
الأرقام واضحة، والتحليل الإحصائي موجود، والأداة المستخدمة لتقييم النوم معروفة. لكن ذلك لا يحل المشكلة الأساسية: الدراسة لم تراقب نوم المشاركين، ولم تقس تعرضهم الفعلي للنيكوتين، ولم تتابعهم بمرور الوقت. لقد جمعت إجاباتهم في لحظة واحدة، ثم بحثت عن الروابط بينها.
من ارتباط إحصائي إلى متهم جاهز
قد يكون استخدام النيكوتين، وخصوصاً في المساء، قد ساهم بالفعل في إضعاف النوم. لكن من الممكن أيضاً أن يكون الأشخاص الذين يعانون أصلاً من السهر أو التوتر أو اضطراب النوم أكثر ميلاً إلى استخدام النيكوتين. وقد يكون عامل ثالث، مثل القلق أو نمط الحياة أو الضغط الدراسي، مسؤولاً عن الأمرين معاً.
التحليل الإحصائي لا يستطيع حل هذه المشكلة. يمكن للانحدار اللوجستي تعديل المتغيرات التي قاسها الباحثون، لكنه لا يستطيع اختراع تسلسل زمني لم تجمعه الدراسة. وبعبارة أبسط: لا يمكن التقاط صورة واحدة ثم استخدامها لمعرفة ما الذي حدث أولاً.
هناك أيضاً مشكلة في طريقة قياس النتيجة. مؤشر بيتسبرغ أداة بحثية مقبولة لتقييم النوم المبلّغ عنه ذاتياً، لكنه لا يقيس النوم بصورة موضوعية. لم يستخدم الباحثون تخطيط النوم، ولم يسجلوا مراحل النوم أو عدد مرات الاستيقاظ بواسطة أجهزة متخصصة.
ما قاستْه الدراسة فعلياً هو تصريح الشخص بأنه يستخدم السجائر الإلكترونية، وتصريحه أيضاً بأنه لا ينام جيداً. وهذا مفيد لتوليد فرضية، لكنه لا يثبت حدوث تغير فسيولوجي في النوم بسبب الفيب.
ثم تأتي مشكلة تعريف «مستخدم السجائر الإلكترونية». لا يكفي معرفة أن شخصاً ما يستخدم الفيب من دون قياس نمط استخدامه. هل يستخدمه يومياً أم بصورة عرضية؟ ما تركيز النيكوتين؟ كم مرة يستخدم الجهاز؟ هل يستخدمه قبل النوم مباشرة؟ هل السائل الذي يستعمله يحتوي على النيكوتين أصلاً؟ وهل يستخدم السجائر التقليدية أو الشيشة إلى جانبه؟
وضع أنماط شديدة الاختلاف داخل فئة واحدة يحمل اسم «مستخدم الفيب» يجعل المتغير أقل دقة مما توحي به النتائج. فإذا كان النيكوتين هو التفسير المقترح لسوء النوم، كان من الضروري البحث عن علاقة بين الجرعة والنتيجة: هل يزداد اضطراب النوم مع ارتفاع استهلاك النيكوتين؟ وهل الاستخدام المسائي أسوأ من الاستخدام الصباحي؟
من دون هذه التفاصيل، يصبح الفيب مجرد علامة عامة قد تعكس نمط حياة أوسع، وليس بالضرورة سبباً مستقلاً.
عوامل لم تتم دراستها
أن دراسة جودة النوم لدى الشباب لا يمكن أن تتعامل مع القهوة والشاي ومشروبات الطاقة باعتبارها تفاصيل ثانوية. فقد أُجريت الدراسة في مجتمع تنتشر فيه المشروبات المحتوية على الكافيين، بينما يعتمد أثر الكافيين في النوم على الكمية وتوقيت الاستهلاك وعدد مرات تناوله.
كوب قهوة في الصباح ليس مثل عدة أكواب في المساء. وكذلك فإن سؤالاً عاماً عن تناول المنبهات، إن وُجد، لا يعادل قياس الكمية والتوقيت.
وعندما تكون النتيجة التي نحاول تفسيرها هي النوم، فإن عدم قياس هذه العوامل بالتفصيل يمثل ثغرة مهمة. فكيف يمكن منح الفيب دوراً بارزاً في تفسير النوم، بينما قد تكون القهوة والشاي ومشروبات الطاقة والسهر أمام الشاشات والضغط الدراسي وعادات النوم غير المنتظمة عوامل أكثر مباشرة؟
الأمر نفسه ينطبق على القلق والاكتئاب، واستخدام الهواتف ليلاً، والنشاط البدني، والعمل بنظام المناوبات، والأدوية، والامتحانات، والحالة الاجتماعية والاقتصادية. تعديل بعض المتغيرات لا يعني التخلص من جميع العوامل المربكة، خصوصاً عندما تكون تلك العوامل غير مقاسة أو مقاسة بصورة سطحية.
حتى الرقم الأبرز في الدراسة، وهو معامل الأرجحية البالغ 2.86، يحتاج إلى قراءة حذرة. ففاصل الثقة امتد من 1.31 إلى 6.24، وهو نطاق واسع يشير إلى قدر واضح من عدم الدقة في تقدير حجم الارتباط.
كما أن معامل الأرجحية لا يساوي الزيادة المباشرة في احتمال الإصابة. الفارق الخام بين المجموعتين بلغ 17.4 نقطة مئوية: 64% بين مستخدمي الفيب مقابل 46.6% بين غير المستخدمين. لذلك لا ينبغي تحويل معامل الأرجحية إلى عناوين توحي بأن الفيب ضاعف خطر سوء النوم بصورة محسومة.
وتثير نتيجة أخرى سؤالاً إضافياً: لماذا بقي الارتباط مع السجائر الإلكترونية، بينما اختفى مع السجائر التقليدية بعد التعديل، رغم أن النيكوتين موجود في المنتجين؟
قد يكون السبب اختلاف طريقة الاستخدام أو توقيته. لكنه قد يكون أيضاً نتيجة اختلاف أحجام المجموعات، أو ضعف القدرة الإحصائية، أو التصنيف غير الدقيق، أو وجود فروق بين مستخدمي المنتجين لم يقسها الباحثون. هذه النتيجة لا تثبت أن الفيب أسوأ للنوم من التدخين، بل تكشف حاجة الدراسة إلى تفسير أكثر حذراً.
🧠 الخلاصة
هذا ارتباط يستحق الدراسة، لكنه لا يكفي لإصدار حكم سببي. فالدراسة لا تعرف هل سبق الفيب اضطراب النوم، ولا تقيس النوم موضوعياً، ولا تحدد بدقة جرعة النيكوتين وتوقيت استخدامها، ولا تستبعد بما يكفي أثر القهوة والشاي ومشروبات الطاقة والشاشات والصحة النفسية ونمط الحياة.
المشكلة ليست في إجراء دراسة مقطعية أو استخدام الاستبيانات، فهذه أدوات بحثية مشروعة عندما تُعرض نتائجها ضمن حدودها. المشكلة تبدأ عندما يتحول ارتباط محدود إلى متهم جاهز، بينما تبقى التفسيرات البديلة خارج قفص الاتهام.
النتيجة الحقيقية ليست أن «الفيب يسبب سوء النوم»، بل أن هناك ارتباطاً يحتاج إلى دراسات أفضل: دراسات تتابع المشاركين زمنياً، وتقيس جرعة النيكوتين وتوقيت الاستخدام، وتراقب النوم بأدوات موضوعية، وتقارن بصورة عادلة بين الفيب والتدخين وعدم استخدام النيكوتين.





