بعد أقل من عام على دخول أحد أكثر قوانين مكافحة التبغ صرامة في العالم حيّز التنفيذ، اتخذت جزر المالديف قرارًا يبدو، للوهلة الأولى، عكس الاتجاه تمامًا: خفض الضرائب المفروضة على السجائر، بما قد يؤدي إلى تراجع سعر العلبة إلى النصف تقريبًا.
فمنذ 1 نوفمبر 2025، أصبحت جزر المالديف أول دولة في العالم تمنع بيع التبغ أو استخدامه من قبل أي شخص وُلد في 1 يناير 2007 أو بعده. خطوة قُدمت حينها باعتبارها نموذجًا عالميًا في حماية الأجيال القادمة من إدمان التبغ، ولا سيما أن الحظر يشمل المواطنين والسياح على حد سواء.
لكن في بداية يوليو 2026، صوّت البرلمان المالديفي على تعديل جديد في قانون الاستيراد والتصدير، يقضي بخفض الرسوم المفروضة على السجائر ومنتجات التبغ المسخّن. وبموجب التعديل، انخفضت الرسوم الثابتة على السيجارة الواحدة من 8 روفيات مالديفية إلى 4 روفيات، بينما تراجعت الضريبة النسبية من 50% إلى 30%. ووفق التقديرات المحلية، قد يؤدي ذلك إلى انخفاض سعر علبة السجائر من نحو 250 روفية مالديفية إلى 125 روفية تقريبًا.
هذا التحول يضع الحكومة أمام مفارقة صعبة: دولة تحظر التبغ على الأجيال القادمة، لكنها في الوقت نفسه تجعل السجائر أرخص للبالغين الحاليين.
حين تصطدم السياسة الصحية بالواقع الاقتصادي
برّرت الحكومة القرار بالقول إن رفع أسعار السجائر في 2024 أدى إلى نتائج عكسية، أبرزها توسّع السوق السوداء وانتشار السجائر المهربة والمقلدة. كما أشار الرئيس محمد معز إلى أن بعض المدخنين اتجهوا إلى “مواد أكثر ضررًا على الرئتين”، من دون تقديم تفاصيل واضحة حول طبيعة هذه المواد.
الحكومة قالت أيضًا إن قرار التخفيض جاء بعد مداولات وزارية، وبناءً على توصيات مرتبطة بمنظمة الصحة العالمية. لكن حتى الآن، لم تُنشر أي وثيقة رسمية تؤكد أن المنظمة أوصت فعلًا بخفض الضريبة إلى هذا المستوى. وهذا التفصيل مهم، لأن الموقف العام لمنظمة الصحة العالمية يقوم عادة على اعتبار الضرائب المرتفعة من أكثر أدوات مكافحة التدخين فعالية، بشرط أن تكون جزءًا من سياسة شاملة ومدروسة.
الأرقام الاقتصادية تساعد على فهم خلفية القرار. فبحسب معطيات نقلتها وسائل إعلام محلية، تراجعت واردات السجائر القانونية بشكل حاد بعد رفع الرسوم في 2024. كما انخفضت إيرادات الرسوم الجمركية على السجائر من أكثر من 100 مليون روفية مالديفية إلى نحو 5 ملايين فقط، رغم أن نسبة الضريبة كانت أعلى. وفي المقابل، تشير تقارير محلية إلى أن السجائر المهربة أصبحت متوفرة على نطاق واسع، وبأسعار أقل من المنتجات القانونية.
هنا تظهر المشكلة الكلاسيكية في سياسات مكافحة التبغ: رفع الأسعار قد يقلل الاستهلاك عندما يكون مصحوبًا برقابة قوية وتطبيق فعال للقانون، لكنه قد يدفع جزءًا من السوق نحو التهريب عندما ترتفع الأسعار بسرعة كبيرة من دون قدرة كافية على ضبط التجارة غير القانونية.
تراجع صحي أم تصحيح لمسار خاطئ؟
بالنسبة للمدافعين عن الصحة العامة، يبدو القرار تراجعًا واضحًا. فجزر المالديف لم تكن قد اكتفت برفع أسعار السجائر، بل حظرت أيضًا السجائر الإلكترونية ومنتجات الفيب، ثم طبّقت حظرًا تاريخيًا على بيع التبغ للأجيال القادمة. لذلك، فإن جعل السجائر أرخص يبعث برسالة مربكة: هل الهدف هو تقليل التدخين، أم استعادة الإيرادات الضائعة، أم السيطرة على السوق السوداء؟
أما الحكومة، فتتعامل مع القرار باعتباره تصحيحًا لمسار لم يحقق النتائج المطلوبة. فمن وجهة نظرها، السعر المرتفع لم يلغِ الطلب على النيكوتين، بل نقل جزءًا منه إلى قنوات غير قانونية، حيث لا توجد رقابة على الجودة، ولا تحذيرات صحية، ولا عائدات ضريبية للدولة.
ويزيد البعد السياسي من حساسية الملف. فقد جاء الإعلان عن نية تخفيض الرسوم قبل أيام قليلة من انتخابات فرعية خسرها الحزب الحاكم لاحقًا، بعد خسائر سياسية أخرى في الانتخابات المحلية والاستفتاء الدستوري خلال الأشهر السابقة. وهذا التزامن فتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان القرار صحيًا واقتصاديًا فقط، أم أنه يحمل أيضًا حسابات انتخابية.
في النهاية، تقدم جزر المالديف مثالًا شديد الوضوح على صعوبة بناء سياسة متماسكة لمكافحة التدخين. فالحظر الشامل، ورفع الضرائب، ومنع بدائل النيكوتين، وتشديد العقوبات، كلها أدوات قد تبدو قوية على الورق. لكنها قد تفشل أو تنتج آثارًا عكسية إذا لم تكن مبنية على بيانات واضحة، وتدرّج واقعي، ورقابة فعالة على السوق غير القانونية.
الدرس الأهم من التجربة المالديفية ليس أن الضرائب المرتفعة لا تنجح، ولا أن خفض الأسعار هو الحل. بل إن مكافحة التدخين لا يمكن أن تعتمد على قرارات متفرقة ومتناقضة. فهي تحتاج إلى سياسة متكاملة توازن بين خفض الاستهلاك، ومنع التهريب، وتوفير وسائل فعالة للإقلاع عن التدخين، والتعامل بواقعية مع سلوك المدخنين بدل الاكتفاء بإعلانات سياسية كبيرة لا تصمد أمام التطبيق.





