في كل مرة تُنشر فيها دراسة تتناول آثار السجائر الإلكترونية على الصحة، يتكرر المشهد نفسه تقريبًا: عناوين صادمة، لغة تحذيرية عامة، ورسالة مبسطة تقول إن “الفيب لا يختلف عن التدخين”. هذا النمط من التغطية لا يميّز بين الدرجات، ولا يهتم بالفروق الإحصائية أو المنهجية، بل يكتفي بوضع كل أشكال استهلاك النيكوتين في سلة واحدة.

لكن الدراسات العلمية لا تعمل بهذه الطريقة. الدراسات لا تُقرأ من العنوان فقط، بل من منهجيتها، وأرقامها، وحدودها. والفرق بين “خطر مؤكد قوي” و“ارتباط ضعيف غير حاسم” وهذا ليس تفصيلاً تقنيًا، بل جوهر الفهم العلمي نفسه.

الدراسة الحديثة المنشورة في مجلة Tobacco Induced Diseases حول تأثير السجائر التقليدية والسجائر الإلكترونية على صحة اللثة تقدّم مثالًا واضحًا على هذا الخلل في القراءة. فمن يطّلع عليها بدقة سيكتشف أنها لا تضع الفيب في المكان نفسه الذي تضع فيه التدخين التقليدي، بل تكشف عن فجوة واضحة بينهما.

ماذا تقول الدراسة فعليًا؟

الدراسة أُجريت في شرق السعودية على عيّنة من 169 بالغًا يراجعون عيادات الأسنان، وقُسّم المشاركون إلى ثلاث مجموعات:

مدخنون تقليديون، مستخدمو سجائر إلكترونية، وأشخاص لا يستخدمون أي منتج نيكوتين.

من حيث التصميم، هي دراسة مقطعية (Cross-sectional)، أي أنها تلتقط الحالة الصحية للمشاركين في لحظة زمنية واحدة. هذا النوع من الدراسات لا يستطيع إثبات علاقة سببية مباشرة، بل يكتفي برصد الارتباط بين عامل معيّن ونتيجة صحية معيّنة.

النتيجة الأهم جاءت من التحليل الإحصائي لاحتمال الإصابة بأمراض اللثة:

  • المدخنون التقليديون أظهروا ارتفاعًا كبيرًا جدًا في خطر الإصابة بأمراض اللثة، مع قيمة أرجحية معدّلة تقارب 16 مرة مقارنة بغير المدخنين، وكانت هذه النتيجة ذات دلالة إحصائية قوية.
  • مستخدمو السجائر الإلكترونية أظهروا خطرا أقل بكثير، بقيمة تقارب 4.7 مرة، لكن هذه النتيجة لن تصل إلى دلالة إحصائية قوية على الاطلاق.
AOR
AOR : نسبة الأرجحية المعدلة التي تم الحصول عليها من نموذج الانحدار اللوجستي متعدد المتغيرات. مصدر الصورة : الدراسة.

بعبارة أوضح: التدخين التقليدي ظهر كعامل خطر قوي ومثبت. أما الفيب، فقد ظهر كعامل محتمل ضعيف وغير حاسم إحصائيًا.

والأهم من ذلك أن الدراسة نفسها تشير إلى أن هنالك عوامل اخرى تؤثر على صحة اللثة مثل مستوى العناية الفموية. سوء النظافة، تراكم البلاك، وعدم الاهتمام بالأسنان كانت عوامل حاسمة بغض النظر عن كون الشخص مدخنًا أو غير مدخن.

هذه النقطة وحدها كافية لإعادة ترتيب المعلومات: نحن لا نتحدث عن علاقة بسيطة بين “منتج” و“مرض”، بل عن منظومة معقّدة يدخل فيها السلوك اليومي والعناية الصحية ونمط الحياة.

الخلط الإعلامي والحرب على الفيب

هناك فرق جوهري بين أن تقول: “الفيب ليس خاليًا من المخاطر”، وبين أن تقول ضمنيًا: “الفيب لا يختلف عن التدخين”.
رغم هذا الوضوح النسبي في الأرقام، غالبًا ما تُقدَّم مثل هذه الدراسات في الإعلام بصيغة مختزلة: “الفيب يضر اللثة مثل التدخين”. أو: “دراسة جديدة تحذّر من مخاطر السجائر الإلكترونية على صحة الفم”.

المشكلة هنا ليست في التحذير، بل في المساواة.

الدراسة لا تسمح بمثل هذه الادعاءات. بل على العكس، أرقامها تُظهر فرقًا كبيرًا في حجم الخطر بين المنتجين. تجاهل هذا الفرق ليس قراءة علمية، بل تبسيط أيديولوجي.

هذا الخلط له أثر عملي خطير على المدخن الذي يبحث عن بديل أقل ضررًا، فقد يقرأ هذه العناوين ويصل إلى نتيجة مفادها أن “لا فرق”، فيستمر في التدخين بدل الانتقال إلى خيار أقل ضررا. هنا لا يصبح الخطاب التحذيري أداة وقاية، بل عامل إحباط يمنع تقليل الضرر.

الأبحاث والدراسات لا تعمل بمنطق الأبيض والأسود. بل تقيس درجات الخطر، وترتبها، وتعترف بالحدود. وعندما تُمحى هذه الدرجات في الخطاب العام، يتحول البحث العلمي إلى مادة دعائية تفقد معناها الحقيقي.

خلاصة القول

هذه الدراسة لا تبرّئ السجائر الإلكترونية، ولا تقول إنها بلا أثر على صحة اللثة. لكنها في الوقت نفسه لا تضعها في الخانة نفسها مع السجائر التقليدية. الفارق بين المنتجين واضح في الأرقام، وفي قوة الارتباط، وفي الدلالة الإحصائية.

التدخين التقليدي يظهر كخطر قوي ومؤكد على صحة اللثة. اما الفيب يظهر كعامل محتمل أضعف، غير حاسم، ضمن حدود منهجية لا تسمح بإثبات السببية.

هذا الفرق ليس تفصيلاً تقنيًا، بل جوهر الفهم العلمي. و تجاهله لا يخدم الصحة العامة، بل يكرّس خلطًا يضر بالمدخنين أكثر مما يحميهم.

الرسالة الدقيقة التي تقدمها الدراسة هي:

الفيب ليس بلا أثر، لكنه بعيد جدًا عن مستوى الضرر الذي تُحدثه السجائر التقليدية على اللثة. وبين “التحذير العلمي” و“التهويل الإعلامي” مسافة يجب ألا تُطمس، لأن فيها يكمن حق القارئ في معرفة الحقيقة كما هي، لا كما تُختزل في عنوان صحفي.

الفيب وصحة الفم والأسنان

اشترك في النشرة الإخبارية

انضم إلى اكثر من 8000 مشترك في نشرة اخبار Vaping Post. لتبقى على اطلاع بجميع أخبار السجائر الالكترونية

المقال السابقمشروع موازنة 2026 في فرنسا: أزمة حقيقية تهدد مستقبل الفيب
Ahmad AL-FARAJI
المسؤول عن إطلاق النسخة العربية من موقع Vaping Post. بدأت الفكرة من إعجابي بجودة المحتوى الذي كان ينشره الموقع بنسختيه الإنجليزية والفرنسية. ومع بداية عام 2020 أدركت حاجة مجتمع الفيب العربي إلى مرجع موثوق بلغته الأم. بصفتي مدخنًا سابقًا تمكنت من الإقلاع عن السجائر بفضل الفيب، شعرت بمسؤولية شخصية لنقل مفاهيم الحد من الضرر إلى جمهورنا العربي، وتحويل التجربة الفردية إلى مشروع إعلامي يخدم الملايين.
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات