في خضم النقاشات المكثفة حول مشروع قانون الموازنة العامة لسنة 2026، يواجه قطاع الفيب في فرنسا واحدة من أخطر مراحله منذ ظهوره. فالنص الحكومي، ولا سيما المادة 23 منه، لا يكتفي بإدخال تعديلات تقنية أو مالية، بل يرسم ملامح تحول جذري في طريقة التعامل مع السيجارة الإلكترونية، واضعًا صناعة كاملة التي لطالما قُدّمت كبديل أقل ضررًا للتدخين التقليدي في خانة واحدة مع منتجات التبغ.

ما يبدو على الورق بندًا ماليًا، يحمل في الواقع تبعات عميقة على المستهلكين، والمتاجر المتخصصة، وسلسلة توزيع كاملة، بل وعلى مفهوم تقليل الضرر الذي تبنته فرنسا رسميًا لسنوات.

المادة 23: من تنظيم عادي إلى منعطف خطير

المادة 23: من تنظيم عادي إلى منعطف خطير

تقف المادة 23 في قلب الجدل الدائر. فالنص يعيد تعريف منتجات الفيب ضمن الفئة القانونية نفسها التي تُعامل بها منتجات التبغ. هذا التحول ليس شكليًا، إذ يفتح الباب أمام إخضاع الفيب لنظام ضريبي وتنظيمي مشابه للسجائر التقليدية.

وفق الصيغة المطروحة، يُعاد توصيف المنتج القابل للاستهلاك إذا كان ينتج “بخار يمكن استنشاقه”، وهو تعريف يُدخل أجهزة الفيب والسوائل الإلكترونية مباشرة ضمن الإطار القانوني لمنتجات “قابلة للاحتراق”، رغم اختلاف طبيعتها الفيزيائية والصحية عن التبغ.

هذا التغيير في التصنيف هو حجر الأساس الذي تُبنى عليه بقية الإجراءات: الضرائب، القيود على البيع، وإعادة تنظيم شبكة التوزيع.

عناصر الخطر في المشروع

ضريبة على السوائل الإلكترونية

ينص المشروع على فرض ضريبة مباشرة على السوائل الإلكترونية حسب تركيز النيكوتين:

  • 0,03 يورو لكل مليلتر للسوائل التي تحتوي على أقل من 15 ملغ/مل من النيكوتين.
  • 0,05 يورو لكل مليلتر للسوائل ذات التركيز الأعلى.

في التطبيق العملي، تعني هذه الأرقام ارتفاعًا واضحًا في أسعار المنتجات، خصوصًا القوارير الكبيرة التي يعتمد عليها المستخدمون اليوميون. هذه الزيادة قد تجعل الفيب أقل جاذبية اقتصاديًا من السجائر التقليدية، وهو ما يناقض منطق تقليل الضرر الذي يفترض أن يشجّع الانتقال من التدخين إلى بدائل أقل خطورة.

حظر البيع عبر الإنترنت

من أخطر بنود المادة 23 اقتراح حظر بيع منتجات الفيب عبر الإنترنت للأفراد. هذا الإجراء يمسّ مباشرة جزءًا كبيرًا من السوق الفرنسية، إذ يعتمد عدد كبير من المستخدمين خاصة في المناطق الريفية أو البعيدة عن المدن الكبرى على التجارة الإلكترونية للحصول على منتجاتهم.

في بلد واسع المساحة مثل فرنسا، يعني هذا الحظر عمليًا تقليص الوصول إلى الفيب، وإجبار المستهلكين على خيارات محدودة، غالبًا عبر قنوات التبغ التقليدية.

تغيير وضعية متاجر الفيب قانونيا

يقترح النص إخضاع متاجر الفيب لنظام ترخيص خاص، أقرب إلى النموذج المفروض على باعة التبغ. هذا التحول يهدد مباشرة المتاجر المستقلة التي شكّلت العمود الفقري للقطاع خلال العقد الأخير، ويُدخلها في منظومة إدارية معقدة ومكلفة قد لا تستطيع الكثير منها تحمّلها.

النتيجة المتوقعة: تقليص عدد المتاجر المتخصصة، وإضعاف شبكة مستقلة كانت تقوم بدور أساسي في توعية المستخدمين ومرافقتهم في الانتقال بعيدًا عن السجائر.

المشهد البرلماني: صراع لم يُحسم بعد

المشهد البرلماني: صراع لم يُحسم بعد

لم تمرّ المادة 23 دون مقاومة داخل المؤسسات التشريعية. في المراحل الأولى لمناقشة الميزانية، أُقرّ تعديل يُبقي على ضريبة صفرية على السوائل لسنة 2026، في ما اعتُبر انتصارًا جزئيًا للقطاع.

غير أن رفض البرلمان لاحقًا لمشروع الميزانية بالكامل أعاد النص الأصلي إلى الواجهة، لتعود المادة 23 بصيغتها الأولى إلى دائرة النقاش.

في مجلس الشيوخ، أواخر 2025، تم اعتماد تعديلات أكثر توازنًا، شملت:

  • عدم فرض الضريبة على السوائل خلال 2026.
  • الإبقاء على إمكانية البيع عبر الإنترنت.

هذه التعديلات خفّفت مؤقتًا من حدة الصدمة، لكنها لم تُنهِ المعركة، إذ تبقى النسخة النهائية رهينة المفاوضات بين الحكومة والبرلمان، وقد تتغير في أي لحظة تحت ضغط الحسابات السياسية والمالية.

الوضع الحالي: المعركة الاخيرة

مع دخول عام 2026، أصبحت المادة 23 في لحظة فاصلة. وفق آخر المعطيات، ما تزال النسخة التي أقرّها مجلس الشيوخ هي المرجع الأكثر ملاءمة لقطاع الفيب حتى الآن، إذ تنص على:

  • الإبقاء على ضريبة صفر على السوائل الإلكترونية خلال 2026.
  • الحفاظ على البيع عبر الإنترنت كقناة توزيع مشروعة.
  • عدم فرض نظام ترخيص صارم جديد على المتاجر المتخصصة.

غير أن هذه الصيغة تبقى مؤقتة ومشروطة بإقرار مشروع الموازنة بأكمله. الخطر الحقيقي يكمن في احتمال لجوء الحكومة إلى أدوات دستورية استثنائية، مثل المادتين 49.3 أو 47.3، لتمرير الميزانية دون تصويت كامل، وهو ما قد يسمح بإعادة إدراج النسخة الأصلية للمادة 23 بكل ما تحمله من ضرائب وحظر وقيود.

هذا الوضع المتقلب يجعل الأسابيع الأولى من عام 2026 فاصلة في تحديد ما إذا كان قطاع الفيب في فرنسا سينجو من تهديدات المادة 23، أم أن النص سيُصبح واقعًا تشريعيًا يعيد تشكيل السوق ويقلب معادلة الوصول إلى بدائل التدخين رأسًا على عقب.

ردود الفعل من القطاع: حملة تعبئة غير مسبوقة

ردود الفعل من قطاع الفيب

لم يمرّ إدراج المادة 23 مرور الكرام داخل عالم الفيب الفرنسي. بل أحدث زلزالًا حقيقيًا داخل القطاع. وكانت الهيئة الفرنسية لسلسلة الفيب (FIVAPE) أول من تحرّك، مطلقة حملة وطنية للدفاع عن السيجارة الإلكترونية تحت عنوان:

Comment agir pour défendre la cigarette électronique ?
كيفية الدفاع عن السيجارة الإلكترونية؟

في أقل من 72 ساعة فقط، تجاوزت العريضة التي أطلقتها الهيئة حاجز 100 ألف توقيع، قبل أن تواصل الصعود بوتيرة لافتة. وحتى اليوم، بلغ عدد الموقّعين:

244,620 توقيعًا

العريضة المعنونة:

«Vaper n’est pas fumer. Lettre à nos élus.»
(الفيب ليس تدخينًا – رسالة إلى ممثلينا المنتخبين)

أُطلقت في منتصف أكتوبر، وتحولت سريعًا إلى رمز للتعبئة داخل القطاع.

ولا تقتصر المشاركة على مجرد وضع الاسم، إذ تتيح الحملة للموقّعين إضافة تعليق شخصي أو حتى إرفاق فيديو يشرح دوافعهم، في محاولة لتحويل الأرقام إلى أصوات بشرية حقيقية موجّهة مباشرة إلى النواب وصنّاع القرار.

هذه التعبئة الواسعة تكشف أن ما يجري لم يعد نقاشًا تقنيًا حول ضريبة أو إجراء إداري، بل معركة وجودية بالنسبة لقطاع كامل يرى في المادة 23 تهديدًا مباشرًا لدوره في تقليل أضرار التدخين، ولمستقبل مئات الآلاف من المستخدمين الذين اختاروا الفيب بدلًا عن السجائر التقليدية.

خلاصة القول

مشروع موازنة 2026 لم يعد مجرد نص مالي بحت، بل تحوّل إلى محطة مفصلية في تاريخ الفيب في فرنسا. فالمادة 23، بصيغتها الأصلية، لا تهدد فقط نموذجًا اقتصاديًا، بل تضرب في العمق فلسفة تقليل الضرر التي قامت عليها السياسات الصحية الحديثة.

بين تعديلات البرلمان، وضغوط الحكومة، وتعبئة القطاع، لا تزال المعركة مفتوحة. لكن المؤكد أن مستقبل الفيب في فرنسا بات معلّقًا بقرارات تشريعية قد تعيد رسم المشهد بالكامل:

إما تكريس الفيب كأداة انتقال بعيدًا عن التدخين، أو دفعه تدريجيًا إلى الهامش … حيث لا يبقى للسجائر التقليدية أي منافس حقيقي.

اشترك في النشرة الإخبارية

انضم إلى اكثر من 8000 مشترك في نشرة اخبار Vaping Post. لتبقى على اطلاع بجميع أخبار السجائر الالكترونية

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأحدث
الأقدم الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات