شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية تداول مقطع فيديو يزعم أن السجائر الإلكترونية تحتوي على مواد مخدّرة تؤدي إلى تحفيز السلوك الإجرامي. الفيديو انتشر بسرعة، وأثار حالة من الجدل والقلق.
غير أن وزارة الداخلية المصرية تدخلت رسميًا، وأعلنت كشف حقيقة الواقعة، مؤكدة أن الادعاءات الواردة في الفيديو غير صحيحة، وأن الشخص الذي ظهر فيه اعترف باختلاق القصة بهدف تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة وجني أرباح من التفاعل.
القضية هنا لا تتعلق فقط بفيديو مفبرك، بل تكشف إشكالية أعمق تتعلق بكيفية انتشار المعلومات المضللة، وخلط المفاهيم، وتأثير ذلك على الرأي العام.
ملابسات الواقعة
بحسب ما نشرته وسائل إعلام مصرية، والصفحة الرسمية لوزارة الداخلية المصرية على فيسبوك ، فقد انتشر مقطع فيديو يدّعي أن السجائر الإلكترونية تحتوي على مواد مخدّرة تؤدي إلى تحفيز السلوك الإجرامي، وأن مستخدميها قد يصبحون عرضة للانحرافات أو الجرائم نتيجة تلك المواد.
تم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه، وأُغلقت المسألة من الناحية الأمنية باعتبارها واقعة نشر معلومات كاذبة.
الوقائع إذًا واضحة:
- لا توجد تقارير رسمية تؤكد احتواء السجائر الإلكترونية على مواد مخدرة.
- الادعاء كان فرديًا وغير مستند إلى أي دراسة أو تحليل مخبري.
- صاحب الفيديو اعترف صراحة باختلاق القصة.
وهنا تنتهي القصة قانونيًا، لكنها تبدأ إعلاميًا.
لكن هل تحتوي السجائر الإلكترونية فعلاً على مواد مخدّرة؟
عند مناقشة هذا النوع من الادعاءات، يجب العودة إلى التركيبة المعروفة لمنتجات السجائر الإلكترونية التجارية.
السائل الإلكتروني في المنتجات المنظمة قانونيًا يتكون عادة من:

- النيكوتين (اختياري وبنسب محددة)
- البروبيلين غليكول
- الجلسرين النباتي
- النكهات
جميع هذه المكونات ليست مواد مخدّرة لا بالمعنى القانوني أو الطبي. النيكوتين مادة تسبب الإدمان، لكنه ليس “مخدرًا” بالتصنيف الجنائي، ولا توجد أي أدلة علمية تربطه بتحفيز السلوك الإجرامي.
الخلط يحدث غالبًا بين أمرين مختلفين تمامًا:
- أجهزة السجائر الإلكترونية التجارية.
- استخدام بعض الأشخاص أجهزة لتسخين مواد غير قانونية في سياقات مختلفة.
أي جهاز يمكن نظريًا أن يُساء استخدامه، لكن هذا لا يجعل الجهاز نفسه “سيء”. القياس هنا بسيط: لا يمكن وصف الملعقة بأنها مخدر لأنها قد تُستخدم في تحضير مواد غير قانونية.
المنتجات التي تُباع عبر قنوات رسمية لا تحتوي على مواد مخدرة. وأي إضافة مواد محظورة تُعد تلاعبًا فرديًا خارج الإطار القانوني، وليست جزءًا من الصناعة المنظمة.
من الناحية العلمية، لا توجد دراسات موثوقة تشير إلى أن السجائر الإلكترونية تحتوي على مواد مخدرة تؤدي إلى سلوك إجرامي. هناك نقاش علمي مستمر حول مخاطرها الصحية، وهذا أمر مشروع، لكنها ليست “مخدرات” كما يحاول البعض تصويرها.
لماذا تنتشر مثل هذه الشائعات بسرعة؟
القضية هنا أوسع من مجرد فيديو تم نشره على منصات التواصل الاجتماعي. هناك عدة عوامل تفسر سرعة انتشار هذا النوع من الادعاءات:
أولًا: حساسية موضوع المخدرات
أي محتوى يربط منتجًا شائعًا بمفهوم “المخدرات” يثير صدمة فورية ويجذب التفاعل.
ثانيًا: الربح
منصات التواصل تكافئ المحتوى المثير للجدل. كلما كان الادعاء صادمًا، زادت فرص انتشاره، بغض النظر عن صحته.
ثالثًا: خلط المفاهيم
كثير من المتابعين لا يفرّقون بين:
جهاز إلكتروني لتبخير سائل منظم واجهزة قد تُستخدم في سياقات أخرى غير قانونية. وهذا الخلط يخلق بيئة خصبة للشائعات.
رابعًا: ضعف الثقافة العلمية
قلة من الناس تبحث عن مصدر علمي قبل مشاركة الفيديو. العاطفة تسبق التحقق.
المشكلة أن مثل هذه الادعاءات لا تبقى في حدود الجدل الرقمي. فهي قد تؤثر على الرأي العام، وتغذي قرارات متسرعة، أو تخلق صورة غير دقيقة لدى غير المدخنين والمدخنين على حد سواء.
من المهم هنا التأكيد على نقطة توازن:
السجائر الإلكترونية ليست خالية من المخاطر، وليست منتجًا طبيا. لكنها أيضًا ليست مواد مخدّرة، ولا توجد أدلة تدعم هذا الادعاء.
التعامل مع الملف يحتاج إلى نقاش علمي هادئ، لا إلى فيديوهات صادمة مصممة لركوب الترند وجمع المشاهدات.
خلاصة القول
ما كشفته وزارة الداخلية المصرية في هذه الواقعة لا يتعلق فقط بتكذيب فيديو، بل يسلّط الضوء على ظاهرة أوسع: صناعة الشائعة لتحقيق الربح.
عندما يتعلق الأمر بمنتجات مثيرة للجدل مثل السجائر الإلكترونية، يصبح التحقق ضرورة مضاعفة. القرارات الصحية، والمواقف المجتمعية، وحتى التشريعات، يجب أن تستند إلى بيانات علمية وأبحاث موثوقة، لا إلى مقاطع مصممة لإثارة الجدل.
مكافحة المعلومات المضللة لا تعني الدفاع عن منتج، بل الدفاع عن الحقيقة. وفي زمن الانتشار السريع، تبقى المسؤولية مشتركة بين صانع المحتوى، و وسائل الإعلام، والجمهور.





