كل عدة أشهر، يظهر خبر من بلد مختلف يحمل الصيغة ذاتها تقريبًا: شاب في آسيا، مؤثرة في أوروبا، فنانة في العالم العربي… “توفي بسبب الفيب”. لا تقرير طبي منشور، لا بيان رسمي من جهة صحية. فقط عنوان صادم يُقدَّم كحقيقة مكتملة، ينتشر بسرعة البرق، ويُعاد نسخه حرفيًا بين عشرات المواقع الاعلامية.
ما حدث مع الستايلست المصرية ريهام عاصم ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة عالمية باتت مألوفة. قبلها كان المؤثر السعودي أسامة داوود، وقبلها الأمريكية ليديا وورد، وبينهما عشرات الأخبار حول العالم التي اتهمت السجائر الإلكترونية بالتسبب بالوفاة أو الدخول إلى المستشفى، ثم تبيّن لاحقًا أن القصة غير صحيحة أو غير مكتملة أو مبنية على افتراض إعلامي لا على تشخيص طبي.
الفيب هنا لا يُناقَش بوصفه منتجًا له مخاطر محتملة تحتاج دراسة علمية، بل يُستعمل كـ “متهم جاهز”، شماعة سريعة تُعلّق عليها أي مأساة، لأن اسمه وحده كفيل بإنتاج الخوف، والجدل، والتفاعل.
الفيب متهم .. نمط متكرر
المثير للقلق أن هذه الأخبار، رغم اختلاف البلدان واللغات، تتشابه بشكل يكاد أن يكون حرفيًا. العنوان دائمًا جازم: “الفيب يقتل”، “التدخين الإلكتروني السبب”، “ضحية جديدة للسجائر الإلكترونية”. غالبًا ما يكون الخبر فقير بالمصادر الطبية، ويعتمد على روايات عامة أو منشورات على مواقع التواصل، ثم تنتقل القصة من موقع إلى آخر بلا إضافة أو تحقق، وكأنها حقيقة موثوقة.
في معظم هذه الحالات، لا يُنشر تقرير تشريح، ولا بيان من وزارة صحة، ولا حتى تصريح من طبيب معالج. ومع ذلك تُقدَّم الرواية كأمر محسوم. وما إن تُغلق دورة الأخبار، حتى تبقى هذه “الحقيقة” في ذهن القارئ، حتى لو تبيّن لاحقًا أنها خاطئة أو مضللة.
أسامة داوود لم يدخل المستشفى بسبب الفيب، وليديا وورد لم تفقد قدرتها على الكلام بسببه، و ريهام عاصم لم تُقتل بالسجائر الإلكترونية. لكن السؤال هو: كم شخصًا قرأ التكذيب؟ وكم شخصًا بقي يحمل الانطباع الأول؟
حالة ريهام عاصم كنموذج عربي حديث
عندما انتشر خبر وفاة ريهام عاصم، قُدّم للجمهور باعتباره مأساة جديدة من “ضحايا الفيب”. عناوين في مؤسسات اعلامية كبرى تحدثت عن جهاز “قتلها”، وعن نهاية مأساوية بسبب التدخين الإلكتروني، دون أن تُرفق هذه الرواية بأي مصدر طبي واضح.
بعد أيام فقط، خرجت والدة ريهام لتكذّب الرواية بالكامل. قالت بوضوح إن سبب الوفاة ليس الفيب، بل خطأ طبي ناتج عن حقنة كورتزون. ووصفت من روّجوا قصة “الفيب القاتل” بأنهم يبحثون عن ركوب الترند واستغلال المأساة.
هنا لا نتحدث عن اختلاف في تفسير علمي، بل عن نفي مباشر من أقرب شخص للضحية، ينسف الرواية من جذورها. ومع ذلك، فإن خبر التكذيب لم يحظَ بعُشر الانتشار الذي حظي به خبر الاتهام. بعض المواقع اكتفت بتحديث متواضع للخبر، وبعضها تجاهل القصة تمامًا بعد أن استنفدت قيمتها التفاعلية.
السؤال البسيط الذي يفرض نفسه: لماذا لا ينتشر تكذيب الخبر كما انتشر الخبر نفسه؟
من الاتهام إلى الصمت: أين تختفي الحقيقة؟

في عالم الإعلام الرقمي، الخبر الصادم يعيش دورة حياة قصيرة وسريعة. يولد في عنوان، يتضخم عبر النسخ والنشر، ثم يموت عندما يفقد قدرته على جذب النقرات. المشكلة أن التصحيح لا يمتلك الخصائص ذاتها. فهو أقل إثارة، وأقل قدرة على توليد الغضب أو الخوف، وغالبًا ما يأتي بعد أن يكون الانطباع الأول قد ترسخ.
بهذا المعنى، الضرر الحقيقي لا يكمن فقط في نشر خبر خاطئ، بل في تركه معلقًا في الذاكرة العامة دون تصحيح متناسب معه في الحجم والوضوح. حين يُقال “الفيب قتلها” في عنوان بارز، ثم يُقال لاحقًا “ليس الفيب” في خبر ثانوي، فإن الكفة لا تتوازن أبدًا.
هكذا تتحول الشائعة إلى شبه حقيقة اجتماعية، حتى وإن سقطت طبيًا.
لماذا الفيب بالذات؟
الفيب جهاز جديد نسبيًا ولا يحمل تاريخًا طويلًا كما هو حال السجائر التقليدية، ولا يملك لوبي إعلامي يدافع عنه، ويقع في منطقة رمادية بين “الدواء” و”الخطر”. هذه الخصائص تجعله مادة مثالية لنشر الأكاذيب والشائعات.
إضافة إلى ذلك، فإن الجمهور مهيأ نفسيًا لتصديق الأسوأ عنه، لأن الخطاب العام المحيط به قائم على التخويف لا على الفهم العلمي. عندما يُذكر اسمه بجانب كلمة “وفاة”، لا يحتاج القارئ إلى كثير من الجهد ليصدق العلاقة السببية، حتى لو لم تُقدَّم أي أدلة.
من جهة أخرى، يعرف الإعلام الرقمي أن هذه التركيبة تضمن أعلى قدر من التفاعل: خوف، جدل، مشاركة، غضب. وهكذا يصبح الفيب أداة سهلة لإنتاج “قصص” دون الحاجة إلى التحقيق.
ليست المشكلة في طرح سؤال حول مخاطر السجائر الإلكترونية. هذا نقاش مشروع وضروري. المشكلة في تحويل الافتراض إلى حقيقة، والشبهة إلى حكم، و الحدث الإنساني إلى مادة تهويل.
عندما تنشر جهة إعلامية كبيرة خبرًا غير متحقق، فهي لا “تنقل” فقط، بل تصنع وعيًا. وحين تضع اسم منتج أو سلوك في خانة “القاتل” دون دليل، فإنها لا تؤثر على مستخدميه فقط، بل على النقاش الصحي العام، وعلى قرارات أشخاص قد يكونون يبحثون عن بديل أقل ضررًا للإقلاع عن التدخين التقليدي.
بهذا المعنى، الخطأ لا يكون فرديًا، بل بنيويًا: ثقافة صحفية ترى في الصدمة قيمة أعلى من الدقة، وفي السرعة بديلًا عن التحقق.
خلاصة القول
الفيب هو منتج له مخاطر محتملة، وله في الوقت نفسه دور في كبير وفعال في الإقلاع عن التدخين لدى ملايين الأشخاص حول العالم. التعامل معه يجب أن يكون علميًا.
لكن الأخطر من أي جهاز هو الاستهانة بالحقيقة. حين تتحول كل وفاة غامضة إلى “جريمة تدخين إلكتروني” بلا دليل، فإننا لا نخدع القارئ فقط، بل نخون الضحية نفسها، ونحوّل المأساة الإنسانية إلى أداة ترند.
في عالم تُصنع فيه الأخبار قبل التحقق، لا يحتاج الفيب إلى أن يكون خطرًا … يكفي أن يكون مختلفًا.





